انتهى بهزيمتهم إلى حصون الشَّق، فتبعهم المسلمون وبدءوا بحصن أُبَيّ، فخرج أهله، وقاتلوا قتالًا شديدًا أبلى فيه أبو دجانة الأنصاري بلاءً حسنًا حتى تمكن من دخول الحصن عَنْوَة، ووجد المسلمون فيه أثاثًا كثيرًا ومتاعًا وغنمًا وطعامًا، وهرب المنهزمون منه إلى حصن البريء، فتمنعوا به أشد التمنع، وكان أهله أشد اليهود رميًا بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه، فنصب المسلمون عليه المنجنيق فوقع في قلب أهله الرعب، وهربوا منه من غير عناء شديد، فوجد فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار، فقال عليه الصلاة والسلام:"اغسلوها واطبخوا فيها".
ثم تتبع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكتيبة، وبدءوا بحصن القموص، فحاصروه عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد علي بن أبي طالب، ومنه سُبيت صفية بنت حيي بن أخطب، ثم سار المسلمون لحصار حصني الوطيح والسُّلالم، فلم يقاوم أهلهما بل سلموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم لا يصطحب الواحد منهم إلا ثوبًا واحدًا على ظهره، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع، وأربع مئة سيف، وألف رمح، وخمس مئة قوس عربية، ووجدوا صحفًا من التوراة فسلموها لطالبيها.
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بقتل كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيْق لأنه أنكر حُلِيَّ حُيَيَّ بن أخطب، وقد عثر عليها المسلمون، فوجدوا فيها أساور ودمالج وخلاخيل وقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك.
هذا، والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلًا، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلًا، وفي هذه الغزوة أهدت إحدى نساء اليهود كراع شاة مسمومة1لرسول الله، فأخذ منها مضغة، ثم لَفَظَهَا حيث أُعْلم أنها مسمومة، وأكل منها بِشْر بن البراء فمات لوقته، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجيء له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة، فسألها عن سبب ذلك فأجابت: قلت: إن كان نبيًّا لن يضره، وإن كان كاذبًا أراحنا الله منه، فعفا عنها عليه الصلاة والسلام2.
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج4 ص265.
2 انظر طبقات ابن سعد: ج2 ص100 وما بعدها.