الصفحة 15 من 236

تَبْشير التوراة به

أنزل الله التوراة على موسى محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك الزمن، ونوه فيها بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم، فمما جاء فيها تبشيرًا برسولنا الكريم خطابًا لسيدنا موسى عليه السلام: وسوف أقيم لهم نبيًّا مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ويكلمهم بكل شيء آمره به، ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا الذي أنتقم منه، فأما النبي الذي يجترئ علي بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمره به أو باسم آلهة أخرى فليقتل، وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب فهذه علامتك: أن ما قاله ذلك النبي باسم الرَّب ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه1، ويقول اليهود: إن هذه البشارة ليوشع بن نون خليفة موسى عليه السلام، مع أنهم كانوا ينتظرون في مدة المسيح نبيًّا آخر غير المسيح، فإنهم أرسلوا ليوحنا المعمدان يحيى، يسألونه عن نفسه فقالوا له: أنت إيليا؟ فقال: لا، فقالوا: أنت المسيح؟ فقال: لا، فقالوا: أنت النبي؟ فقال: لا، فقالوا: ما بالك إذا تُعَمّد إذا كنت لست إيليا ولا المسيح ولا النبي؟ فهذه تدل على أن التوراة تبشر بإيليا والمسيح ونبي لم يأت حتى زمن المسيح. ثم إن التوراة تقول في صفة النبي: إنه مثل موسى، وقد نصت في آخر سفر التثنية على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى، وورد في هذه البشارة: أن النبي الذي يفتري على الله يقتل، ويشبه ذلك في القرآن قوله تعالى في سورة الحاقة: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46] ونبينا صَلَّى الله عليه وسَلَّم مكث بين أعدائه الألداء من مشركين ويهود ثلاثًا وعشرين سنة يدعوهم فيها إلى الله، ومع ذلك عصمه الله منهم وأنزل عليه تطمينًا لخاطره في سورة المائدة: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس} [المائدة: 67] أكان يعجز الله -وهو القادر على كل شيء- أن يعاقب من ينسب إليه ما لم يقله وهو الذي قال في سورة الشورى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الشورى: 24] . وقد أخبرتنا هذه البشارة عن العلامة التي نعرف بها صدق النبي من كذبه وهي الإخبار بما سيأتي، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة فحدثت كما أخبر عنها، ومنها ما لا ينفع معه الحدس والتخمين، كالإخبار بأن الروم سَيَغْلِبون

ـــــــ

1 سفر التثنية: إصحاح ثامن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت