الصفحة 16 من 236

وبعد أن قهرهم الفرس قهرًا شديدًا حتى كادوا يحتلون القسطنطينية عاصمة ملكهم، فالإخبار إذًا بأن الرّوم سيردون ما فُقد منهم بعد بضع سنين لا يكون إلا من عند الله، ولذلك استغربه جدًّا بعض المشركين من قريش وراهن على ذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حقق الله الخبر فاستحق الصديق الرهن، وهذا قليل من كثير سيأتيك تفصيله إن شاء الله تعالى.

وروى القاضي عياض في الشفا: أن عطاء بن يسار سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: أجل! والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا1.

وروي مثله عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو الذي كان رئيس اليهود فلم تُعْمِهِ الرياسة حتى يترك الدين القويم، وكذلك كعب الأحبار، وفي بعض طرق الحديث: ولا صخاب في الأسواق ولا قّوَّال للخنا، أُسَدِّده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، وأهدي به بعد الضلالة، وأُعَلِّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن صفته في التوراة فقال -وهو الصادق الأمين-: عبدي أحمد المختار مولده مكة ومهاجره المدينة -أو قال: طَيْبَة- وأمته الحَمَّادون الله على كل حال2.

ـــــــ

1 حول هذه الرواية وما بعدها انظر دلائل النبوة للبيهقي: ج1 ص 374، وأيضًا فتح الباري لابن حجر، تحقيق الخطيب: ج4 ص342 و ج8 ص585. ومعنى سَخِب وصخاب: أي أنه يرفع الصوت في السوق نداء على سلعته وبضاعته ليسمع الناس بها فيشتروها.

2 انظر دلائل النبوة من الجزء المذكور آنفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت