يا حَبَّذَا الْجَنَّة واقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وبَارِدٌ شَرَابُهَا
والرُّومُ رُوْمٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيْدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
ولم يزل يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردد، فقال يخاطب نفسه:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّه ... طَائِعَةً أو لَتُكْرَهِنَّه
إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وشَدُّوا الرَّنَّةْ ... مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِيْنَ الْجَنَّةْ؟
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةْ ... هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةً فِي شَنَّةْ؟
ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم يزل يقاتل رضي الله عنه حتى استشهد، فهم بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء، فقال لهم عقبة بن عامر: يا قوم، يقتل الإنسان مقبلا خير من أن يقتل مدبرا، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد، وبهمته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع، إذ ما تفعل ثلاثة آلاف بمئة وخمسين ألفًا؟ فإنه لما أخذ الرَّاية قاتل يومه قتالا شديدا، وفي غده خالف ترتيب العسكر، فجعل الساقة1 مقدمة، والمقدمة ساقة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المَدَد جاء للمسلمين فرعبوا.
ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام ثم تحاجز الفريقان لأن الكفار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلص وبذلك انقطع القتال، وقد نعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال:"أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخدها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب -وكانت عينا رسول الله تذرفان- ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم"وجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر يبكين، فأمره أن ينهاهن، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن فلم يُطِعْنَ، فأمره فذهب ثانيًا، ثم جاء فقال والله لقد غلبننا، فقال له عليه الصلاة والسلام:"احْثُ فِي أفواههن التراب".
ـــــــ
1 السَّاقة: مؤخرة الجيش.