الصفحة 157 من 236

سرية أبي عبيدة بن الجراح

وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة عامر بن الجراح في ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جُهَيْنَة التي تسكن ساحل البحر، وزود عليه الصلاة والسلام هذا الجيش جرابًا من التمر، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو، وقد فنى زادهم حتى أكلوا الخَبَط، وهو ورق السَّمُر، يبلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقرحت أشداقهم، وكان في القوم الكريم ابن الكريم قيس بن سعد بن عبادة فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور. وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة، لأن قيسًا كان أخذ تلك الجزر بدين على أبيه، فخاف أبو عبيدة ألا يفي له أبوه بما استدان، فقال قيس: أترى سعدًا يقضي ديون الناس، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي دينًا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟ ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة، فقال قيس بن سعد لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، فقال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نهيت1.

غزوة الفتح الأعظم

إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه وأزال موانعه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يعلم أنه لا تذل العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكة، فكان يتشوَّف لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشًا في الحديبية وهو سيد من وفى. ولكن إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه، فقد علمت أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام، فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بني بكر يتغنى بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم على مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه، فحرك ذلك كامن الأحقاد، وتذكر بنو بكر ثأرهم فشدوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سرًّا بالعدة والرجال، ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج4 ص 406 وما بعدها. وطبقات ابن سعد: ج2 ص132، وهي سرية ذات الخبط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت