الصفحة 158 من 236

فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفدًا برياسة عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فلما حلوا بين يديه، وأخبروه، قال:"والله، لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه".

أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشد العقد، ويزيد في المدة، فركب راحلته، وهو يظن أنه لم يسبقه أحد، حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه فقال: يا بنية، أرغبت به عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج من عندها، وأتى النبي في المسجد، وعرض عليه ما جاء له، فقال له عليه الصلاة والسلام:"هل كان من حدث؟"قال: لا، فقال عليه الصلاة والسلام:"فنحن على مدتنا وصلحنا". ولم يزد عن ذلك. فقام أبو سفيان، ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلهم يساعدونه على مقصده، فلم يجد منهم مُعِينًا، وكلهم قالوا: جوارنا في جوار رسول الله، فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئًا، فاتهموه بأنه خانهم واتبع الإسلام، فتنسك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجهز للسفر، وأمر أصحابه بذلك، وأخبر الصديق بالوجهة، فقال له: يا رسول الله، أو ليس بينك وبين قريش عهد؟ قال:"نعم، ولكن غدروا ونقضوا". ثم استنفر عليه الصلاة والسلام الأعراب الذين حول المدينة، وقال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة". فقدم جمع من قبائل أسلم وغِفار ومُزَينة وأشجع وجُهَينة، وطوى عليه الصلاة والسلام الأخبار عن الجيش كي لا يشيع الأمر، فتعلم قريش فتستعد للحرب، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يقيم حربًا بمكة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها، فدعا مولاه جل ذكره وقال:"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها"فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدرًا، وكتب كتابًا لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جُعْلٍ، فأعلم الله رسوله ذلك، فأرسل في أثرها عليًّا والزبير والمقداد وقال:"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظَعِيْنَة معها كتاب فخذوه منها". فانطلقوا حتى أتوا الروضة، فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقالوا: لتخرجن الكتاب أو لنُلقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت