الثياب، فأخرجته من عِقَاصِهَا، فأتوا به رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:"يا حاطب، ما هذا؟"قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت حليفًا لقريش ولم أكن من أنْفُسِهَا، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:"أما إنه قد صدقكم". فقال عمر: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق، فقال:"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وفي ذلك أنزل الله في سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .
ثم سار عليه الصلاة والسلام بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولى على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت عدة الجيش عشرة آلاف مجاهد، ولما وصل الأبواء لقيه اثنان كانا من أشد أعدائه وهما: ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة شقيق زوجه أم سلمة، وكانا يريدان الإسلام، فقبلهما عليه الصلاة والسلام، وفرح بهما شديد الفرح، وقال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] . ولما وصل عليه الصلاة والسلام الكديد رأى أن الصوم شق على المسلمين، فأمرهم بالفطر، وأفطر هو أيضًا، وقد قابل عليه الصلاة والسلام في الطريق عمه العباس بن عبد المطلب مهاجرًا بأهله وعياله، فأمره أن يعود معه إلى مكة ويرسل عياله إلى المدينة.
ولما وصل عليه الصلاة والسلام مر الظهران أمر بإيقاد عشرة آلاف نار1، وكانت قريش قد بلغهم أن محمدًا زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُدَيْل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان:
ـــــــ
1 وهي نيران الحرب التي تدل على تميز الجيش عن غيره من الجيوش، وقد أكثر الرسول صلى الله عليه وسلم منها لإرعاب المشركين.