الصفحة 161 من 236

يحادثه، وهو يقرأ سورة الفتح، حتى بلغ البيت، وطاف سبعًا على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذا ذاك ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل عليه الصلاة والسلام يطعنها بعود في يده، ويقول:"جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد"ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام1، فقال عليه الصلاة والسلام:"قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط". وهذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة.

وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأدناث سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلا. ويوشك أن نذكر للقارئ اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية.

العفو عند المقدرة

ثم إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وكبر في نواحيها، ثم خرج إلى مقام إبراهيم، وصلى فيه ركعتين، ثم شرب من زمزم، وجلس في المسجد، والناس حوله، والعيون شاخصة إليه، ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين آذوه، وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلم منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس، فقال عليه الصلاة والسلام:"يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟"قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال عليه الصلاة والسلام:"اذهبوا فأنتم الطلقاء". ويرحم الله البوصيري حيث قال:

وإذا كان القطع والوصل لله ... تساوى التقريبُ والإقصاء

وسواء عليه فيما أتاه ... من سواه الملامُ والإطراء

ولو أن انتقامه لهوى النفـ ... ـس لدامت قطيعة وجفاء

قام لله في الأمور فأرضى الله ... منه تباين ووفاء

فِعْلُهُ كله جميل وهل ينضـ ... ـح إلا بما حواه الإناء؟

ثم خطب عليه الصلاة والسلام خطبة أبان فيها كثيرًا من الأحكام الإسلامية، منها:"ألا يُقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على"

ـــــــ

الأزلام: قداح الميسر التي يستقسم بها المشركون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت