الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم، فلما علم ذلك دريد سأل مالكًا عن السبب، فقال: سقت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنهم، فقال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فلم يقبل مالك مشورته، وجعل النساء صفوفًا وراء المقاتلة، ووراءهم الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، كي لا يفر أحد من المقاتلين.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز، منهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة، وخرج أهل مكة ركبانًا ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعفٍ يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صَفَّ عليه الصلاة والسلام الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحُبَاب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وكذلك أعطى ألوية لقبائل العرب الأخرى. ثم ركب عليه الصلاة والسلام بغلته ولبس درعين والبيضة والمِغفر.
هذا، وقد أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تُغْنِ عنهم شيئًا، فإن مقدمة المسلمين توجهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترًا في شعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، منهم: أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة بن الحارث ومعتب بن أبي لهب، وكان العباس آخذًا بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذًا بالركاب، وكان عليه الصلاة والسلام ينادي:"إلي أيها الناس"ولا يلوي عليه أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت. أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم رِبْقَةَ الشرك فمنهم من فرح، ومنهم من ساءه هذا الإدبار، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال أخ لصفوان بن أمية: الآن بطل السحر. فقال له صفوان -وهو على شركه-: اسكت فَضَّ الله فاك، والله لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش خير من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن. ومر عليه رجل من قريش وهو