الصفحة 177 من 236

أسلم، تسلم"قالها ثلاثًا، فقال عدي: إني على دين، وكان نصرانيًّا. فقال له عليه الصلاة والسلام:"أنا أعلم بدينك منك"فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال:"نعم". ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعًا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه الرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال:"يا عدي، إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى، تقول: إنما اتَّبعه ضَعَفةُ الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله، ليوشكَنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد مَنْ يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، أتعرف الحِيْرة؟"قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال:"فوالله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله، ليوشكنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم". فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك1."

غزوة تَبُوك

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك في زمن عُسْرة الناس، وجدب البلاد، وشدة الحرّ حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها، ليُعَمِّي الأخبار على العدو إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبُعد الشّقةِ ولشدة العدوِّ، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثَّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفان عَشَرةَ آلاف دينار، وأعطى ثلاث مئة بعير بأحلاسها وأقتابها، وخمسين فرسًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهمّ ارضَ عن عثمان فإني راضٍ عنه". وجاء أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"هل أبقيت لأهلك شيئًا؟"فقال أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير. وتصدّق عاصم بن عدي بسبعين وسْقًا من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن، وجاءه صلى الله عليه وسلم سبعةُ أنفس من فقراء الصحابة

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج5 ص 337 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت