الصفحة 178 من 236

يطلبون إليه أن يحملهم. فقال:"لا أجد ما أحملكم عليه". فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنًا ألا يجدوا ما يُنفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباسُ اثنين، وجهز يامين بن عمرو اثنين.

ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفًا، وولّى على المدينة محمد بن مسلمة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلَّف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أُبَيّ، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد! أيحسبُ محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله، لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال. واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمّار بن ياسر يسألهم عما قالوا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب.

وجاء إليه جماعة منهم الجد بن قيس يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا ولا تفتنّا لأنّا لا نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذِّرون1 من الأعراب -وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة- ليؤذن لهم فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] . ثم قال في حقهم: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] . ثم كذّبهم الله في عذرهم فقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] . ثم لكي لا يأسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جل ذكره: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلًّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] . وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في إسلامهم منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة. ولما خلَّف صلى الله عليه وسلم عليًّا، قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع إلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟". ثم سار صلى الله عليه وسلم بالجيش، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصديق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر في آخر غزوة للرسول

ـــــــ

1 الذين يطلبون أن يزال عنهم العذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت