الصفحة 179 من 236

وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة، يفهمها القارئ. وفرق عليه الصلاة والسلام الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحُباب بن المنذر راية الخزرج، ولما مرّ الجيش بالحِجْر، وهي ديار ثمود، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلا وأنتم باكون"ليشعر قلوبهم رهبة الله، وكان مستعملًا على حرس الجيش عبَّاد بن بشر، وكان أبو بكر يصلي بالجيش، ولما وصلوا إلى تبوك، وكانت أرضًا لا عمارة فيها، قال الرسول لمعاذ بن جبل:"يوشك -إن طالت بك حياة- أن ترى ما هنا ملئ بساتين". وقد كان.

ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمه، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان، قد رشت كلٌّ منهما عريشها، وبرَّدت فيها ماء، وهيَّأتْ طعامًا، وكان يومًا شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيَّأ وامرأة حسناء! ما هذا بالنَّصَف. ثم قال: والله! لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فيّئا لي زادًا ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك1.

وفود صاحب أَيْلة

هذا ولم يرَ صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشًا كما كان قد سمع، فأقام هناك أيامًا جاءه في أثنائها يوحَنَّا، صاحب أيلة، وصحبته أهلُ جَرْباء، وأهل أَذْرُح، وأهل مَيْناء2، فصالح يوحَنَّا رسول الله على إعطاء الجزية، ولم يسلم. وكتب له الرسول كتابًا هذه صورته:

ـــــــ

1 انظر القصة وغيرها من قصص غزوة تبوك في دلائل النبوة: ج5 ص 212- 273. وطبقات ابن سعد: ج2 ص 165 وما بعدها.

2 هذه كلها من إمارات الروم الحامية لهم، وقد تركها الرسول صلى الله عليه وسلم بالرغم من اقتداره على إزالتها مما يدل على أن الوضع الدولي اقتضى أن يذهب نحو الشمال مهددًا للروم في أماكن مقدمتهم من بلاد الشام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت