مرة، ثم حبب إليه عليه الصلاة والسلام الخلاء، ليبتعد عن ظلمات هذا العالم وينقطع عن الخلق إلى الله فإن في العزلة صفاء السريرة، وكان يخلو بغار حراء فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشرًا، وتارة أكثر، إلى شهر، وكانت عبادته على دين أبيه إبراهيم عليه السلام ويأخذ لذلك زاده، فإذا فرغ رجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فبينما هو قائم في بعض الأيام على الجبل إذ ظهر له شخص، وقال: أبشر يا محمد! أنا جبريل، وأنت رسول الله إلى هذه الأمة. ثم قال له: اقرأ. قال:"ما أنا بقارئ". فإنه عليه الصلاة والسلام أمي لم يتعلم القراءة قبلًا، فأخذه فغطه بالنمط الذي كان ينام عليه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال:"ما أنا بقارئ". فأخذه فغطه ثانية ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال:"ما أنا بقارئ". فأخذه فغطه الثالثة، ثم أرسله فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] . فرجع بها عليه الصلاة والسلام يرجف فؤاده، مما ألم به من الرَّوْع الذي استلزمته مقابلة الملك لأول مرة، فدخل على خديجة زوجه، فقال:"زملوني، زملوني"، لتزول عنه هذه القشعريرة، فزملوه1 حتى ذهب عنه الروع2، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:"لقد خشيت على نفسي"، لأن الملك غطه حتى كاد يموت، ولم يكن له عليه الصلاة والسلام علم قبل ذلك بجبريل ولا بشكله، فقالت: كلا والله! ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ3،وتَكْسِبُ المعدوم، وتقري الضيف،4 وتعين على نوائب الحق، فلا يسلط الله عليك الشياطين والأوهام، ولا مراء أن الله اختارك لهداية قومك. ولتتأكد خديجة مما ظنته أرادت أن تتثبت ممن لهم علم بحال الرسل، ممن اطلعوا على كتب الأقدمين، فانطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم! اسمع من ابن أخيك. فقال: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره عليه الصلاة
ـــــــ
1 زملوه: غطوه.
2 الروع: الخوف.
3 الكل: العاجز.
4 تقري: تطعم؛ من القِرى طعام الضيافة.