الصفحة 21 من 236

والسلام خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، لأنه يعرف أن رسول الله إلى أنبيائه هو جبريل، ثم قال: يا ليتني فيها جذعًا1 -شابًّا جَلْدًا- إذ يخرجك قومك -من بلادك التي نشأت بها، لمعاداتهم إياك، وكراهيتهم لك حينما تطالبهم بتغيير اعتقادات وجدوا عليها آباءهم. فاستغرب عليه الصلاة والسلام ما نسب لقومه مع ما يعلمه من حبهم له لاتصافه بمكارم الأخلاق وصدق القول، حتى سموه الأمين، وقال:"أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟". قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وقد نطق بذلك القرآن الكريم، قال تعالى في سورة إبراهيم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13] ولتمام تصديق ورقة برسالة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قال: وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا -معضدًا- ثم لم يلبث ورقة أن توفي.

فترة الوحي:

وفتر الوحي مدة لم يتفق عليها المؤرخون، وأرجح أقوالهم فيها أربعون يومًا، ليشتد شوق الرسول للوحي، وقد كان، فإن الحال اشتد به عليه الصلاة والسلام حتى صار كلما أتى ذروة جبل بدا له أن يرمي نفسه منها، حذرًا من قطيعة الله له بعد أن أراه نعمته الكبرى، وهي اختياره لأن يكون واسطة بينه وبين خلقه، فيتبدي له الملك قائلًا: أنت رسول الله حقًا، فيطمئن خاطره ويرجع عما عزم عليه، حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين فعاد إليه الوحي2.

ـــــــ

1 الجذع: الصغير من البهائم في الأصل، وأراد أن يكون شابًا. وهي هنا حال، وخبر ليت محذوف هنا، بدليل رواية أخرى تأتي به بلفظ: أكون حيًّا. وانظر دلائل النبوة للبيهقي: ج2 ص137.

2 سيرة ابن هشام: ج2 ص80. وقصة رواية محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرمي نفسه من الجبل مضعفة لانقطاعها، غير أنها وإن صحت فالرسول عليه الصلاة والسلام بشر تنتابه الانفعالات كما تنتابنا نحن، فهو بشر، وهذا يدل على مقدار المعاناة الشديدة التي كابدها عليه الصلاة والسلام في هذا الصدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت