الصفحة 22 من 236

عودة الوحي:

فبينما هو يمشي إذ سمع صوتًا من السماء فرفع إليه بصره، فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس بين السماء والأرض، فرعب منه لتذكر ما فعله في المرة الأولى فرجع وقال:"دثروني، دثروني"، فأنزل الله تعالى عليه {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: 1، 2] حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عن غيهم وما كان يعبد آباؤهم {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] خصه بالتعظيم، ولا تشرك معه في ذلك غيره {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] لتكون مستعدًّا للوقوف بين يدي الله إذ لا يليق بالمؤمن أن يكون مستقذرًا نجسًا {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] أي اهجر أسباب الرجز1 -وهو العذاب- بأن تطيع الله وتنفذ أمره {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ولا تهب أحدًا هبة وأنت تطمع أن تستعيض من الموهوب أكثر مما وهبت، فهذا ليس من شأن الكرام {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر} [المدثر:7] على ما سيلحقك من أذى قومك حينما تدعوهم إلى الله.

الدعوة سرًّا:

فقام عليه الصلاة والسلام بالأمر ودعا لعبادة الله أقوامًا جفاة لا دين لهم، إلا أن يسجدوا لأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا حجة لهم إلا أنهم متَّبِعون لما كان يعبد آباؤهم، وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطًا بالعزة والأَنَفَة، وهو الذي كثيرًا ما كان سببًا في الغارات والحروب وإهراق الدماء، فجاءهم رسول الله بما لا يعرفونه، فذوو العقول السليمة بادروا إلى التصديق وخلع الأوثان، ومن أعْمَتْه الرياسة أدبر واستكبر كي لا تسلب منه عظمته، وكان أول من سطع عليه نور الإسلام خديجة بنت خويلد زوجه2، وعلي بن أبي طالب ابن عمه، وكان مقيمًا عنده يطعمه ويسقيه ويقوم بأمره، لأن قريشا كانوا قد أصابتهم مجاعة، وكان أبو طالب مُقِلًا كثير الأولاد، فقال عليه الصلاة والسلام لعمه العباس بن عبد المطلب: إن أخاك أبا طالب كثير

ـــــــ

1 اختار المؤلف هذا التأويل، بالرغم من أن الرجز هي الرجس، وهذا المعنى مقدم على ما ذكره.

2 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص77 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت