الفوز في القضاء، ونُزُل الشهداء، وعيشَ السعداء، والنصر على الأعداء". إلى غير ذلك مما رَوَتهُ الكافّة عن الكافّة عن مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، فيها سَبْقًا لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ."
وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال:"وما يمنعني؟ وإنما أُنزل القرآن بلساني، لسانٍ عربي مُبين". وقال مرة أخرى:"أنا أفصح العرب بيدَ أني من قريش، ونشأت في بني سعد". فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإِلهي الذي مددُهُ الوحي الذي لا يُحيط بعلمه بشر.
نسبه وبلده ومنشؤه
وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مُشكلٍ، ولا خفي منه.
فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب، وأعزّهم نفرًا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده. وقد قدّمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في هذا المقام.
أما ما تدعو إليه ضرورة الحياة، فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما الفضل في كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه.
فالأول: كالغذاء والنوم، ولم تَزَل العرب والحكماء قديمًا تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل والشرب دليلٌ على النَّهَم والحرص، والشَّرَهِ وغلبةِ الشهوةِ، مسببٌ لمضار الدنيا والآخرة، جالبٌ لأدواء الجسد، وخُثارة النفس، وامتلاء الدماغ.
وقلته دليل على القناعة، وملك النفس. وقمع الشهوة، مُسَبِّبٌ للصحة، وصفاء الخاطر، وحدّة الذهن، كما أن النوم دليل على الفسولة1 والضعف، وعدم الذكاء والفطنة، مسّببٌ للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته وموته. وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل، وحضَّ
ـــــــ
1-الفسولة: ضعف وكلال ونقص مروءة الرجل.