عليه قال صلى الله عليه وسلم:"ما ملأَ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنهِ، حسبُ ابن آدمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كان لا محالةَ، فَثُلُثٌ لطعامهِ، وثلثٌ لشرابهِ، وثلثٌ لِنَفَسِهِ". ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعًا قطّ، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعامًا ولا يتشهَّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قَبَل، وما سقوه شرب. وفي صحيح الحديث:"أما أنا فلا آكل متكئًا"والاتِّكَاء: هو التَّمكنُ للأكل، والتقعدُدُ في الجلوس له، كالمتربّع وشبهه، من تمكُّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفِزِ مُقْعِيًا، ويقول:"إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبدُ"، وكذلك نومه كان قليلًا، ومع ذلك فقد قال:"إِنَّ عَيْنَيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبي".
وأما ما الفضل في كثرته، فكالجاه، وهو محمودٌ عند العقلاء عادة، وبقَدْرِ جاهه عِظَمُهُ في القلوب، وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة} [آل عمران: 45] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رُزِق من الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوّة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته، كما ذكرنا ذلك مِرارًا، وقد كان يبهتُ ويفرق لرؤيته مَنْ لم يره، كما روي عن قَيْلَةَ أنها لما رأته أُرْعِدَتْ من الفَرَق فقال:"يا مسكينة، عليكِ السكينة". وفي حديث أبي مسعود، أن رجلًا قام بين يديه فأُرْعِدَ، فقال له عليه الصلاة والسلام:"هوِّن عليك فإني لست بملك".
وأما عظيم قدره بالنبوّة، وشريف منزلته بالرسالة، وإناقة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم.
نفقاته وصدقاته وزهده في المال صلى الله عليه وسلم
وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله، ككثرة المال، فصاحبه على الجملة معظَّم عند العامّة لاعتقادها تَوَصُّلَهُ به إلى حاجته، وتمكّنه في أغراضه، وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه