مُنفقًا له في مهماته، ومهمات من قصده وأَمَّلَهُ، يصرفه في مواضعه، مشتريًا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب.
كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البرّ، وأنفقه في سبل الخير، وقَصد بذلك الله تعالى والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه مُمْسكًا له، غير موجهه وجوهه، حريصًا على جمعه، عادت كثرته رذيلة البخل، ومذمّة النذالة، فالتمدح بالمال ليس لذاته بل للتوصل به إلى غيره، وتصريفه في مُتَصَرَّفاته، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم أُوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأُحِلَّت له ذلك من الشام والعراق، وجُلب إليه كثير من أخماسها وَجِزْيَتِها وصدقاتها، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهمًا بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال:"ما يسرني أن لي أُحُدًا ذهبًا يبيت عندي منه دينار إلا دينارًا أرصده لِدَيْني".
وأتته دنانير مرة فقسَّمها، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتى قام فقسمها، وقال:"الآن استرحت".
ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ماوجده، فيلبس في الغالب الشَّمْلَة، والكساء الخشن، والبُرْد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، ويرفعُ لمن لم يحضر، فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاز فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه.
كان خلقه القرآن
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة وهي المسماة بحسن الخُلق فجميعها قد كان خلق نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في كمالها، والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4]
قالت عائشة: كان خُلُقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط بسخطه.