وقال عليه الصلاة والسلام:"بُعِثْتُ لأُتمم مكارم الأخلاق"وقال أنس: كان عليه الصلاة والسلام أحسنَ الناس خُلقًا.
وكانت له هذه الآداب الكريمة كما كانت لإِخوانه من الأنبياء جبلَّة خُلقوا عليها.
ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادفُ نفحاتُ الله عليهم، وتُشرق أنوارُ المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية، ويبلغوا باصطفاء الله لهم بالنبوّة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة، وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة كثيرة ولكنّا نذكر أصولها، ونشير إلى جميعها، ونحقِّق وصفه عليه الصلاة والسلام بها إن شاء الله.
فأصل فروعها، وعنصُر ينابيعها، ونقطة دائرتها: العقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتفرّع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن, والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحُسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنُّب الرذائل، وقد بلغ عليه الصلاة والسلام منه ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، يعلمُ ذلك من تَتَبَّعَ مجاري أحواله، واطّراد سيره، وطالعَ جوامع كَلِمه، وحُسن شمائله، وبدائع سِيَره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، وسِيَر الأمم الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتَّخذ أهلها كلامه فيها قدوة وإشاراته حجة، كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أميّ لا يعرف شيئًا من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره وعلَّمه. وبحَسَب عقله كانت معارفه عليه الصلاة والسلام إلى سائر ما علَّمه الله، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان، وعجائب قدرته، وعظيم ملكوته قال تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .
وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكرهه، فمما أدّب الله به نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، وقد سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن تأويلها. فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تَصِلَ من قطعك، وتعطي من حَرَمَكَ، وتعفو عمّن ظلمك، وقال له: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان: 17] . وقال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] وقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43] . وقد تضافرت الأخبار على اتصافه عليه الصلاة والسلام بنهاية