جملا كثيرة، وفصولا جمّة، وعلومًا زواخر، مُلئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرت المقالات في المستنبطات عنها، ثم هو في سرد القصص الطوال، وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان، آيةٌ لمتأمّله، من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه، كقصة يوسف على طولها، ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددّها، وتناصف في الحسن وجه مقابلتها، ولا نفور للنفوس من ترديدها، ولا مُعادة لمُعَادِها.
الوجه الثاني من إعجاز القرآن: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آيه، وانتهتْ فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدَلَّهتْ دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر.
والإِعجاز بكل واحد من النوعين، والإِيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجاز، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها مباينٌ لفصاحتها وكلامها1.
الوجه الثالث من الإعجاز: ما انطوى عليه من الإخبار بالمُغَيباتِ، وما لم يكن ولم يقع فوقع، فوجد كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر كقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] ، وقوله عن الروم: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 3، 4] ، وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه} [الصف: 9] وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55] وقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1، 2] ، فكان جميع هذا كما أخبر، فغلبت الرومُ فارسَ، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، واتسع مُلْك المسلمين حتى كان لهم في وقت من الأوقات أقصى بلاد الأندلس غربًا إلى أقاصي الهند شرقًا، ومن بلاد الأناضول شمالًا إلى أقاصي السودان جنوبًا، وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:
ـــــــ
1 الإعجاز حقيقته في نظم الكلام وأساليبه لا في أمور أخرى غيرها، فالتحدي واقع باللغة.