فكان كذلك إلى الآن والحمد لله، وقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] فكان كذلك في بدر، والآية نزلت بمكة، وقوله: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] فكان كذلك مما اطّلع عليه قارئ هذه السيرة، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود، ومقالهم وكذبهم في حلفهم كقوله: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة:8] وقوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَك} [آل عمران: 154] وقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء: 46] إلى غير ذلك من الآيات البينات.
الوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده عليه الصلاة والسلام على وجهه، ويأتي به على نصفه، فيقرُّ العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أُميّ، لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مجالسة، لم يغب عنهم، ولا جَهِلَ حالَه أحد منهم، وكثيرًا ما كان يسأله كثير من أهل الكتاب عن هذا، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرًا، كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذُكر منها، ولم يؤثر أن واحدًا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحًا، ولا سقيمًا من صحفه، بعد أن قرعهم ووبَّخهم بقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] .
ومما يدل على أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحدّاهم فيه الله بقوله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [ البقرة: 94] . ثم حتم عدم إجابتهم بقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] فما سمع عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو بلسانه، مع أنهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه. ومثل ذلك ما فعله أهل نجران حينما دعاهم للمباهلة فأبوا، وقد قدمنا ذلك في فصل وفودهم.
ومما يدل على أن هذا القرآن ليس من كلام البشر: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، لقوّة حاله، وإنافة خطره، حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورًا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"إن القرآن صعب مستصعَب على مَن كرهه، وهو الحكم".