للوضوء، فلم يجدوه، فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بِوَضوء، فوضع في الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه. قال: فرأيتُ الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناسُ حتى توضئوا عن آخرهم، فقيل: كم كنتم؟ قال زهاء ثلاثمائة.
وقال ابن مسعود: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا ماء، فقالَ لنا:"اطلبوا من معه فضلُ ماءٍ"، فأُتي بماء، فصبّه في إناء، ثم وضَع كفّه فيه فجعل الماءُ ينبع من بين أصابعه.
وقال جابر: عطش الناسُ يوم الحديبية ورسول الله بين يديه رِكوةٌ فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الرِّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قيل: كم كنتم؟ قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة.
وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة، ومثل هذا في هذه المواطن الحفيلة، والجموع الكثيرة، لا تتطرق التهمة إلى المحدّث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه، لما جُبلت عليه نفوسُهم من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكتُ على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا، وأشاعوه ونسبوا حضور الجم الغفير له، ولم ينكر عليهم أحد من الناس ما حدَّثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه، فصار كتصديق جميعهم لهم.
ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسّه ودعوته، كما ورد عن معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي تلمعُ بشيء من ماء مثل الشِّراك، فغرفُوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فيه شيء، ثم غسل عليه الصلاة والسلام فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس -وفي رواية ابن إسحاق فانخرق من الماء ما له حس، كحسِّ الصواعق- ثم قال:"يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هنا قد ملئ جنانًا". وقد قدّمنا ذلك في غزوة تبوك. وروي عن البراء وسلمة بن الأكوع تكثير عين الحدَيبية بدعوته عليه الصلاة والسلام. وروى أبو قتادة أن الناس شَكَوا إلى رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالمِيْضَأَةِ فجعلها في ضِبْنه"ما بين الكشح إلى الإبط"ثم التقم فمها، فالله أعلم، أنفث فيها أم لا؛ فشرب الناس حتى رووا وملئوا كل إناء معهم، فخيّل لي أنها كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا.
ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محالَّ مختلفة، بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها.