الصفحة 28 من 236

ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا أو لنار أبدًا". فتكلم القوم كلامًا لينًا غير عمه أبي لهب الذي كان خصمًا لدودًا فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن أسلمتموه إذًا ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقال أبو طالب: والله! لنمنعنه ما بقينا، ثم انصرف الجمع."

ولما جهر رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدعوة سخرت منه قريش واستهزءوا به في مجالسهم فكان إذا مر عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، وهذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء، لا يزيدون على ذلك، فلما عاب آلهتهم، وسفه عقولهم وقال لهم:"والله يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم". ثارت في رءوسهم حمية الجاهلية غيرة على تلك الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم، فذهبوا إلى عمه أبي طالب سيد بني هاشم الذي أخذ على نفسه حمايته من أيدي أعدائه، فطلبوا منه أن يخلي بينهم وبينه أو يكفه عما يقول، فردهم ردًّا جميلًا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله لما يريده لا يصده عن مراده شيء، فتزايد الأمر، وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحث بعضهم بعضًا على ذلك، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له: إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة منا، وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تَنْهَه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه عقولنا، وعيب آلهتنا. فإنهم كانوا إذا احتجوا بالتقليد1 في استمرارهم على عدم اتباع الحق ذمهم لعدم اسعمال عقولهم فيما خلقت له، قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170] . وقال في سورة المائدة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] وقال في سورة لقمان: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان: 21] . وقال في سورة الزخرف في بيان حجتهم الداحضة: {قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] . ولما شبههم بمن قبلهم من الأمم في هذه المقالة الدالة على التعصب والعناد قال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ

ـــــــ

1 التقليد المنهي عنه في القرآن هو التقليد في الاعتقاد لا في الأحكام الشرعية كما هو سياق الآيات الدالة على النهي في موضوعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت