عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: 24] فلما تمسكوا بحجة التقليد لآبائهم جر ذلك إلى وصف آبائهم بعدم العقل وعدم الهداية، فهاج ذلك أضغانهم، وقالوا لأبي طالب: إما أن تكفه أو ننازله1 وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسًا بخذلان ابن أخيه، فقال له: يا ابن أخي، إن القوم جاءوني فقالوا لي كذا، فأبق على نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن الرسول أن عمه خاذله فقال:"والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهره الله أو أهلك دونه". ثم بكى وولى. فقال أبو طالب: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه، فقالك اذهب، فقل ما أحببت والله لا أسلمك.
الإيذاء:
ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة، خصوصًا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله جماعة سموا لكثرة أذاهم بالمستهزئين:
فأولهم وأشدهم: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، قال يومًا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه من الفزع ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قدمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج2 ص187. وسيرة ابن هشام: ج2 ص100 وما بعدها. ولا بد أن يفهم أن النهي المطلوب من قريش والشكوى لأبي طالب كانت عن سب الآلهة وتسفيه الأحلام، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام:"على أن أترك هذا الأمر"يعني هذا الإسلام كما هو متبادر.