والمتصدرين للعناد منهم أن قال: ما لك ذممت آلهتنا بعد أن مدحتها؟ وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مُهج1 الرجال.
على أن المؤرخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سببًا لرجوع مهاجري الحبشة يقولون أثناء كلامهم: إن الهجرة كانت في رجب، والرجوع كان في شوال، ونزول سورة النجم كان في رمضان، فالمدة بين نزول السورة وروجوع المهاجرين شهر واحد، والمتأمل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في ذاك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والإياب منها لأنه لم يكن إذ ذاك مراكب بخارية تسهل السير في البحر، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش لمن بالحبشة، فلا غرابة بعد ذلك إن قلنا: إن هذه الخرافة من موضوعات أهل الأهواء الذين ابتلى الله بهم هذا الدين، ولكن الحمد لله فقد من علينا بحفظ كتابنا المجيد الذي يحكم بيننا وبين كل مفتر كذاب ففي السورة نفسها: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] والذي يلقيه الشيطان من أقبح ما يروى، فكيف يقول عليه الصلاة والسلام أو يجري على لسانه مما يبث الشكوك في الوحي؟ الأمر الذي يريده السفهاء، رد الله كيدهم في نحرهم.
والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد الله بن مسعود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ والنجم فسجد، وسجد من كان معه إلا رجلًا أخذ كفًا من حصى وضعه على جبهته، وقال: يكفيني هذا، فرأيته قتل بعد كافرًا2.
وليس في هذا الحديث أدنى دلالة على أن الذين سجدوا معه هم مشركون، بل الذي يفيده قوله: فرأيته قتل بعد كافرًا: أنه كان مسلمًا ثم رأيته ارتد وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحملوا الأذى فكفروا، منهم: علي بن أمية بن خلف3.
هذا، ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن من الدخول إليها إلا من وجد له مجيرًا، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وقد رد عليه جواره حينما رأى ما صنعه بالمسلمين، فلم ير أن يكون مرتاحًا وإخوانه يعذبون.
ـــــــ
1 المُهَجْ: جمع مُهْجَة وهي الروح.
2 وهذه الكلمة الأخيرة فرأيته قتل بعد كافرًا من قول ابن مسعود رضي الله عنه.
3 وقد قتل مرتدًّا في بدر مع أبيه أمية.