الصفحة 42 من 236

حبرة، وقميص مكفوف بحرير، فقال لعمر: ما بالك؟ فقال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت. قال: لا سبيل إليك فأنا لك جار. فأمن عمر، وخرج العاص فوجد الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فرجع الناس من حيث أتوا1.

رجوع مهاجري الحبشة:

وبعد ثلاثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث لا تتيسر لهم الإقامة فيها لأنهم قليلو العدد -وفي الكثرة بعض الأنس- وأضف إلى ذلك أنهم أشراف قريش ومعهم نساؤهم، وهؤلاء لا يطيب لهم عيش في دار غربة بهذه الحالة.

وقد أولع بعض المؤرخين بحكاية يجعلونها سببًا في رجوع مهاجري الحبشة، وهي أنه بلغهم إسلام قومهم حينما قرأ عليهم الرسول سورة النجم، وتكلم فيها كلامًا حسنًا عن آلهتهم حيث قال بعد: {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم:19، 20] تلك الغرانيق -جمع غرنوق وهي الطيور، ويراد بها الملائكة- العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فسجدوا إعظامًا لذلك وفرحًا.

وهذا مما لا تجوز روايته إلا من قليلي الإدراك الذين ينقلون كل ما وجدوه غير متثبتين من صحته، وها نحن أولاء نسوق لك أدلة النقل والعقل على بطلان ما ذكر، أما الحديث فسنده ومتنه قلقان، فالسند قال فيه القاضي عياض في الشفا: لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم، وأما المتن فليس أصحاب رسول الله ولا المشركون مجانين حتى يسمعوا مدحًا أثناء ذم ويجوز ذلك عليهم، فبعد ذكر الأصنام قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] ، فالكلام غير مُنْتَظَم، ولو كان ذلك قد حصل لاتخذه الكفار عليه حجة يحاجونه بها وقت الخصام، وهم من نعرفهم من العناد فيما ليس فيه أدنى حجة، فكيف بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل القبلة إلى الكعبة، وهذا قالوا فيه ما قالوا حتى سماهم الله سفهاء وأنزل فيهم في سورة البقرة: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَولَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة:142] ، ولكن لم يسمع عن أي واحد من رجالاتهم

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج2 ص215 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت