الصفحة 46 من 236

الحبشة في المرة الثانية خوف الفتنة، وعقب رجوعه من هجرته توفي عنها، فلم يكن ثم أجمل مما صنعه الرسول بزوج رجل آمن به، ولو تركت لقومها مع ما هم عليه من الغلظة وكراهة الإسلام لفتنوها، وكرم نسبها في قومها يمنعها من التزوج برجل أقل منها نسبًا وشرفًا1.

زواج عائشة رضي الله عنها:

وبعد ذلك بشهر عقد على عائشة بنت صديقه أبي بكر وهي لا تتجاوز السابعة من عمرها، ولم يتزوج عليه الصلاة والسلام بكرًا غيرها، ودخل عيها بالمدينة، أما سودة فدخل عليها بمكة2.

وبعد وفاة خديجة بنحو شهر، توفي عمه أبو طالب3، الذي كان يمنعه من أذى أعدائه، ومع أنه كان لا يكذب رسول الله فيما جاء به بل يعتقد صدقه لم ينطق بالشهادتين حتى آخر لحظة من حياته، وفيه نزل في سورة القصص: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] ولكن لأعماله العظيمة التي عملها مع رسول الله نرجو أن يخفف عنه. وعدم إسلامه هو وغالب أقارب الرسول فيه من الحكمة ما لا يخفى، فإنهم لو بادروا باتباعه لقيل: قوم يطلبون سيادة وفخرًا ليسا لهم فجاءوا بهذا الأمر المفترى، ولكن لما رأى المعاندون أن متبعيه أمية،لم يكن عندهم أدنى حجة يقيمونها، اللهم إلا دعاويهم الكاذبة التي كانوا يتمسكون بها حينما تصدعهم الحجة من قولهم: ساحر يفرق بين المرء وزوجه وكاهن يتكهن بالغيب.

وقد سمى رسول الله هذا العام الذي فقد فيه زوجه وعمه عام الحزن. ولما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ما لم يمكنها نيله في حياة أبي طالب، واشتد

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج2 ص409.

2 دلائل النبوة: ج2 ص409.

3 السابق: ج2 ص340. والسيرة النبوية: ج2 ص 263 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت