راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، ثم فارق الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وواعده المقابلة ليلًا خارج مكة، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقروا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله داخله، فلما جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليًّا بالمبيت مكانه كي لا يقع الشك في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يرددون النظر من شقوق الباب ليعلموا وجوده، ثم سجى عليًّا ببرده، وخرج على القوم وهو يقرأ: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] . فألقى الله النوم عليهم حتى لم يره أحد، ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائرًا حتى تقابل مع الصديق، وسارا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه1.
أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون علي بن أبي طالب لا محمد بن عبد الله، هاجت عواطفهم، فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طِلْبَتَهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما، حتى أبكى ذلك أبا بكر، فقال له عليه الصلاة والسلام: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار بل صار أعدى الأعداء أمية بن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار، فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب، وكان يبيت عندهم عبد الله بن أبي بكر وهو شاب ثقفٌ ولَقِنٌ فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، فلا يسمع أمرًا يكتادون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من غنم يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع أثره عامر بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر، ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متبعين طريق الساحل2.
وفي الطريق لحقهم طالبًا سراقة بن مالك المُدْلِجِي، وكان قد رأى رسل مشركي قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة ناقة لمن قتله أو أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سراقة! إني رأيت آنفًا أَسْوَدَة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم، فقال: إنك رأيت
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج2 ص465 وما بعدها.
2 انظر السابق: ج2 ص471 وما بعدها.