الصفحة 59 من 236

فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه، ثم سار، حتى دنا من الرسول ومن معه، فعثرت به فرسه فخر عنها، ثم ركبها ثانيًا وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخر عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أن عمله ضائع سدى، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى جاءهم، ويقول سراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهما بما يريد بهما الناس، وعرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئًا بل قالا له: أخف عنا، فسأله سراقة أن يكتب له كتاب أمن، فأمر أبا بكر فكتب. وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها عنايته برسوله1.

وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى الحرة حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد أن أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جَدُّكُم -أي: حظكم- الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة2.

النزول بقباء

فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء، والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق 20 سبتمبر سنة 622، وهذا أول تاريخ جديد لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه، أما الآن قد آواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليلًا يتخطفهم الناس.

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج2 ص483.

2 السابق: ج2 ص498 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت