الصفحة 60 من 236

هجرة الأنبياء

وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا صلى الله عليه وسلم سُنَّةُ إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلا نَبَتْ به بلاد نشأته، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالًا لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في طاعة الله، فَسَلْ مصر وتاريخها تُنبئك عن إسرائيل -يعقوب- وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيبًا بهم، وتركهم وما يعبدون إكرامًا ليوسف وحكمته، ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح عليه السلام من اليهود حينما كذَّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه: طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات، ثم قال بعد: افرحوا وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم. وسَل القرى التي حلت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مُهَاجَرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل} [الأحزاب: 62] .

أعمال مكة

هذا، ولنبيّن لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكة من أصول الدين وذلك أمران:

الأول: الاعتقاد بوحدانية الله وألا يُشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنمًا كما يفعل مُشرِكوا مكة، أو أبًا أو زوجة أو بنتًا كما عليه بعض الطوائف الأخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كَلَّف أحد نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذاتها ما دام ذلك خافيًا عن الناس.

الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يومًا ثانيًا للإنسان يُجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الآي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت