المكيّة، فقلّما نرى سورة من سور مكة إلا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته ممّا يضيع الوقت سدىً، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا ثلاثًا وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القرآن مكّي.
ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقُباء، نزل على شيخ بني عمرو كُلثوم بن الهدم، وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعد بن خَيثمة لأنه كان عَزَبًا1، ونزل أبو بكر السُّنْح2 -محلة بالمدينة- على خارجة بن زيد من بني الحارث من الخزرج.
مسجد قُباء
وأقام رسول الله بقباء ليالي أسّس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أُسس على التقوى من أول يوم، وصلَّى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأنصار والمهاجرين، وهم آمنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بُناة المساجد في القرون الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جُلُّ همّهم إلا منصرفًا لتزيين القلوب، وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يُتَّقى بها حرّ الشمس.
الوصول إلى المدينة
ثم تحوَّل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي سيوفهم، وهنا حدّث ولا حَرَج عن سرور أهل المدينة، فكان يومُ تحوله إليهم يومًا سعيدًا لم يُروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
ـــــــ
1 العَزَب: غير المُزَوَّج.
2 السُّنُح: منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة.