حادثة شق الصدر:
وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه، فأحدث ذلك عند حليمة خوفًا فردته إلى أمه وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بَهْم1 لنا خلف بيوتنا إذ أتى أخوه يعدو، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه فهما يَسُوطانه. فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه مُنْتَقَعًا لونه2، فالتزمته3 والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني فشقا بطني، فالتمسا فيه شيئًا، فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو.
وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب:
ثم إن أمه أخذته منها، وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء4 فحضنته أم أيمن، وكفله جده عبد المطلب، ورَقَّ له رِقَّة لم تُعْهَد له في ولده، لما كان يظهر عليه مما يدل على أن له شأنًا عظيمًا في المستقبل، وكان يكرمه غاية الإكرام، ولكن لم يلبث عبد المطلب أن تُوفي بعد ثماني سنوات من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكفله شقيق أبيه أو طالب فكان له رحيمًا وعليه غيورًا، وكان أبو طالب مقلًا من المال فبارك الله له في قليله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في مدة كفالة عمه مثال القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة، كما روت ذلك أم أيمن حاضنته، فكان إذا أقبل وقت الأكل جاء الأولاد يختطفون وهو قانع بما سييسره الله له5.
ـــــــ
1 البهم: البهائم التي ترعى هنا، وهي غالبًا من الإبل ثم من الشاء.
2 انتقع وامتقع كذلك إذا تغير لونه، وهما دومًا مبنيان للمجهول.
3 التزمه: إذا تمسك به أشبه ما يكون بالحضن والعناق.
4 الأبواء: قرية من أعمال الفُرُع من المدينة، بينها وبين الجُحْفَة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا كما في معجم البلدان: ج1 ص 79. وانظر سيرة ابن هشام: ج1 ص 305 حول موت آمنة.
5 سيرة ابن هشام: ج1 ص 307 وما بعدها. وص 318 وما بعدها عن كفالة عمه أبي طالب له.