الصفحة 8 من 236

فأسرها في نفسه، وتربص له حتى إذا خرج بالتجارة، قتله غدرًا، ثم أرسل رسولًا يخبر قومه كنانة بالخبر، ويحذرهم قيسًا قوم عروة. وأما قيس فلم تلبث بعد أن بلغها الخبر أن همت لتدرك ثأرها، حتى أدركوا قريشًا وكنانة بنخلة، فاقتتلوا، ولما اشتد البأس وحميت قيس، احتمت قريش بحرمها، وكان فيهم رسول الله، ثم إن قيسًا قالوا لخصومهم: إنا لا نترك دم عروة، فموعدنا عكاظ العام المقبل. وانصرفوا إلى بلادهم يحرض بعضهم بعضًا، فلما حال الحول1 جمعت قيس جموعها وكانت معها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها من كنانة والأحابيش -وهم حلفاء قريش- وكان رئيس بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه إخوته أبو طالب وحمزة والعباس وابن أخيه النبي الكريم، وكان على بني أمية حرب بن أمية، وله القيادة العامة لمكانه في قريش شرفًا وسنًا، وهكذا كان على كل بطن من بطون2 قريش رئيس. ثم تناجزوا3 الحرب، فكان يومًا من أشد أيام العرب هولا، ولما اسْتُحِل فيه من حرمات مكة التي كانت مقدسة عند العرب سمي يوم الفِجار، وكادت الدائرة تدور على قيس حتى انهزم بعض قبائلها ولكن أدركهم من دعا المتحاربين للصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد، فكانت لقيس زيادة أخذوا ديتها من قريش وتعهد بها حرب بن أمية، ورهن لسدادها ولده أبا سفيان4. وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيرًا ما تشبه حروب العرب تبدؤها صغيرات الأمور حتى أَلَّفَ الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإسلام بينهم.

حِلْفُ الفضول:

وعند رجوع قريش من حرب الفجار تداعوا لحلف الفضول فتم في دار عبد الله بن جدعان التَيْمِي، أحد رؤساء قريش، وكان المتحالفون: بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، وبني أسد بن عبد العزى، وبني زهرة بن كلاب، وبني تَيْم بن مُرَّة

ـــــــ

1 الحول: العام.

2 وقد عدد المؤلف بطون قريش قبلًا.

3 تناجزوا: إذا أسرعوا إلى سفك الدماء.

4 أبو سفيان بن حرب والد معاوية الخليفة الأموي الأول. وانظر السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص324.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت