تحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، حتى تُرَدّ إليه مَظْلِمَتُه، وقد حضر هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعمامه، وقال بعد أن شرفه الله بالرسالة:"لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت"1. وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام مبعوث بِمَكَارِم الأخلاق، وهذا منها، وقد أقر دين الإسلام كثيرًا منها، يرشدك إلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام:"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"وقد دعا بهذا الحلف كثيرون فأنصفوا.
رحلته إلى الشام المرة الثانية:
ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام خمسًا وعشرين سنة سافر إلى الشام المرة الثانية، وذلك أن خديجة بنت خويلد الأسدية كانت سيدة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، فلما سمعت عن السيد من الأمانة وصدق الحديث ما لم تعرفه في غيره حتى سماه قومه الأمين، استأجرته ليخرج في مالها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، فسافر مع غلامها ميسرة فباعا وابتاعا وربحا ربحًا عظيمًا، وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من البركات ما حببه في قلب ميسرة غلام خديجة.
زواجه خديجة:
فلما قدما مكة ورأت خديجة ربحها العظيم سرت من الأمين عليه الصلاة والسلام وأرسلت إليه تخطبه لنفسها، وكانت سنها نحو الأربعين، وهي من أوسط قريش حسبًا وأوسعهم مالًا، فقام الأمين عليه الصلاة والسلام مع أعمامه حتى دخل على عمها عمرو بن أسد، فخطبها منه بواسطة عمه أبي طالب، فزوجها عمها، وقد خطب أبو طالب في هذا اليوم فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضِئْضِئ3 معد، وعنصر مضر، وجعلنا حَضَنَة بيته وسُوَّاس حرمه، وجعله
ـــــــ
1 انظر صحيح ابن حبان تحقيق شعيب الأرناءوط ط/2/ 1993م/ بيروت: ج10 ص 216. والمستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عطا، ط/ 1/بيروت/ 1990م/: ج2 ص239.
2 والحديث بلفظ"إنما بعثت"وهو بغير"إنما"في رواية فيض القدير ط/1/مصر: ج5 ص164.
3 ضِئضئ: أصل.