الصفحة 90 من 236

"لقد كنت في الظاهر علينا"، فأُخذت منه فدية نفسه وابن أخيه، ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال:"كيف وقد تركت لأُم الفضل أموالًا؟ وقلتَ لها: إن مت فقد تركتك غنية!"فقال العباس: والله ما اطّلع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يُعفِ عمَّه مع علمه بأنه إنما خرج مكرهًا، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة، فذلك أدب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] .

ومن الأسرى: أبو عَزَّة الجمحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله بمكة فلما أُسر قال: يا محمد، إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامْنُنْ، فمنَّ عليه فضلًا منه.

العتاب في الفداء

ولما تَمَّ الفداءُ أنزل الله في شأنه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67، 68] .

نهى سبحانه عن اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الانتشار، وعابَ بعضَ المسلمين على إرادة عَرَضِ الدنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله ألا يُعَاقِبَ مجتهدًا على اجتهاده1 ما دام المقصد خيرًا لكان العذاب، ثم أَباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبيّنا عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناءً على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيرًا بأن يؤتيهم خيرًا مما أُخِذَ

ـــــــ

1 الكلام خطأ هنا فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يكون في حقه أن يكون مجتهدًا، إذ هو معارض لبلاغ النبوة. وإنما كان حكم الأسرى قد نزل قبل آية الأنفال في سورة القتال، والرسول عليه الصلاة والسلام اعتمد على آية سورة محمد"القتال"ولكنه خالف الأَوْلى، وليس هذا إلا كما يسكن الدبلوماسي في ريف المدينة فهو مخالف للأولى لا مخطئ. والحديث المروي حديث آحاد في مسألة العذاب وبكاء عمر رضي الله عنه وهو يعارض القطعي فيرد من هذه الناحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت