ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة آلاف رجل ومعهم الأحابيش، وهم حلفاؤهم من بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة، ومعهم أبو عامر الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عدد ممّن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كنانة وتهامة، وقال صفوان بن أمية لأبي عَزّة الشاعر، الذي لا ينسى القارئ أن الرسول مَنَّ عليه ببدر وأطلقه من غير فداء: إنك رجل شاعر فأعِنّا بلسانك، فقال: إني عاهدت محمدًا ألا أعين عليه، وأخاف إن وقعت في يده مرة ثانية ألا أنجو، فلم يزل به صفوان حتى أطاعه، وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين، ودعا جبير بن مطعم غلامًا حبشيًا له، اسمه وحشي، وكان راميًا قلما يخطئ، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة بعمِّي طُعَيْمة فأنت حر. ثم خرج الجيش، ومعهم القيان والدفوف والمعازف والخمور، واصطحب الأشراف منهم نساءهم كي لا ينهزموا، ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحُلَيفة.
أما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به إليه عمه العباس بن عبد المطلب، الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب، محتجًّا بما أصابه يوم بدر. ولما وصلت الأخبار باقتراب المشركين، جمع عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم بدر. وأخبرهم الخبر، وقال:"إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم"فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والأنصار ورأى ذلك أيضًا عبد الله بن أُبَيّ، أما الأحداث وخصوصًا مَنْ لم يشهد بدرًا منهم فأشاروا عليه بالخروج، وكان مع رأيهم حمزة بن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عددًا والأقوون جلدًا1، فصلى الجمعة بالناس في يومها لعشر خلون من شوال، وحضهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم:"لكم النصر ما صبرتم"ثم دخل حجرته، ولبس عدته، فظاهر بين درعين، وتقلد السيف، وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من
ـــــــ
1 أخذ الرسول عليه السلام بمشورة شباب الصحابة وترك رأيه مع نفر من الصحابة لأن هذا رأي موضوع يؤدي إلى عمل من الأعمال فليس من الشورى بل هو مشورة يؤخذ فيها برأي الأكثرية. بخلاف الرأي الذي هو فكر في موضوع أو مما يدركه أهل الاختصاص أو الرأي الشرعي أو التعريف لأمر من الأمور فهذه كلها يلجأ فيها إلى الصواب من خبرة الاختصاص والدليل، كما في حفر الخندق وإشارة الحباب بن المنذر بنزوله على ماء بدر.