الصفوف، وخطب المسلمين، وكان فيما قال:"ألقى في قلبي الروحُ الأمين أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق، لا يحملنَّكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى له سائر جسده". ثم ابتدأ القتال بالمبارزة، فخرجَ رجل من صفوف المشركين فبرزَ له الزبير فقتله، ثم حمل اللواء طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ، فحمل اللواء أخوه عثمان فقتله حمزة، فحمله أخٌ لهما اسمه أبو سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم قضى عليه، فتناوب اللواء بعده أربعةٌ من أولاد طلحة بن أبي طلحة وكلهم يُقتلون، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر يطب البراز، فأراد أبوه أن يبرز له، فقال عليه الصلاة والسلام:"مَتِّعنا بنفسك يا أبا بكر"ثم حملتْ خَيَّالة المشركين على المسلمين ثلاثَ مراتٍ وفي كلها ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون. ولما التقت الصفوف، وحميت الحرب ابتدأ نساء المشركين يضربن بالدفوف، ونشدن الأشعار تهييجًا لعواطف الرجال، وكان عليه الصلاة والسلام كلما سمع نشيد النساء يقول:"اللهمّ بك أَحُولُ، وبك أصول، وفيك أُقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل". وفي هذه المعمعة قُتل حمزة بن عبد المطب عمّ رسول الله سيد الشهداء، غافله وحشيٌّ وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطئ ثنايا بطنه.
هذا، ولما قُتل حَمَلةُ اللواء1 من المشركين، ولم يقدر أحدٌ على الدنو منه ولَّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويُولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب، فلما رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمين فوق الجبل، قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم صلى الله عليه وسلم، فذكرّهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون. أما رئيسُهم فثبت وثبت معه قليل منهم، فلما رأى خالد بن الوليد -أحد رؤساء المشركين- خُلُوَّ الجبل من الرماة، انطلق ببعض الجيش، فقتل من ثبت من الرماة، وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلما رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما بأيديهم، وانتقضت صفوفهم، واختلطوا من غير شعار، حتى صار يضرب بعضُهم بعضًا، ورفعت إحدى نساء المشركين اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من
ـــــــ
1 اللواء: علم الجيش. والراية: تكون على الفرق ولكل أمير على كتيبة أو فرقة راية تعقد له في الجيش الإسلامي.