المشركين رجل يقال له: ابن قَمِئَةَ قتل مُصعَب بن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن محمدًا قد قتل، فدخل الفشلُ في المسلمين حتى قال بعضُهم: علامَ نقاتل إذا كان محمد قد قُتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤَمِّنُوكم. وقال جماعةٌ: إذا كان محمد قد قتل فقاتلوا عن دينكم. وكان من نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين، من بينهم: الوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورِفاعة بن المعلى، وعثمان بن عفان، وتوجهوا إلى المدينة، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها، فرجعوا بعد ثلاث، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة، منهم أبو طلحة الأنصاري استمر بين يديه يمنع عنه بحَجَفَتِهِ، وكان راميًا شديد الرمي. فنثر كِنانته بين يدي رسول الله، وصار يقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقَاء. وكل من كان يمر ومعه كنانة يقول له عليه الصلاة والسلام:"انثرها لأبي طلحة"، وكان ينظر إلى القوم ليرى مواضع النبل، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك.
وممن ثبت سعد بن أبي وقاص، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له:"ارمِ سعد! فداك أبي وأمي". ومنهم سهل بن حُنَيف وكان من مشاهير الرماة نضحَ عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس. ومنهم أبو دُجانة سِمَاكُ بن خَرَشَة الأنصاري تترس على رسول الله، فصار النبلُ يقع على ظهره وهو منحنٍ حتى كثر فيه. وكان يقاتل عن الرسول زيادة بن الحارث حتى أصابت الجراحُ مقاتله، فأمر به فأُدني منه ووسده قدمه حتى مات. وقد أصابه عليه الصلاة والسلام شدائد عظيمة تحمَّلها بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أُبَيُّ بن خلف يريد قتله فأخذ عليه الصلاة والسلام الحربة ممّن كانوا معه، وقال:"خلّوا طريقه"، فلما قرب منه ضربه ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها.
وكان أبو عامر الراهب قد حفر حُفرًا وغطّاها ليقع فيها المسلمون، فوقعَ الرسول في حفرة منها، فأُغمي عليه، وخدشت ركبتاه، فأخذ عليّ بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله -وهما ممن ثبت- حتى استوى قائمًا، فرماه عتبة بن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته فتبعه حاطب بن أبي بلتعة فقتله، وشَجَّ وجهه عليه الصلاة والسلام عبد الله بن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر1 فيهما من
ـــــــ
1 المِغْفَرُ: زَرَدٌ ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة في الحرب. وهي تأخذ أشكالًا في الصناعة موصوفة في لغة العرب.