وعكاظ سوق أدب يجتمع فيها الشعراء من كل ناحية ولهم محكّمون، كالنابغة الذبياني، تضرب لهم القباب وقولهم هو الفصل في الشعر والأدب. وفي عكاظ، علّقت القصائد السبع الشهيرات. وكانت أيضًا مكانًا لأصحاب الدعوات الإصلاحيّة فكان يقصدها قس بن ساعدة الإيادي الذي كان يخطب في الناس ويذكِّرهم بعظمة الخالق. وذكر الأخباريون أنَّ الرسول ³ رأى قُسًّا هذا في عكاظ. وقد قصد الرسول ³ هذه السوق وغيرها يدعو من كان يحضر المواسم إلى الإسلام، وكان فيمن دعاهم بنو عامر بن صعصعة، ولم تجد دعوته قبولًا في أول أمرها ثم كان ماكان من تمكين الله له.
وكانت شؤون هذه السوق لقيس بن عيلان وثقيف وهي سوق عامة ليس فيها عشار، وكانت تنزلها قريش وخزاعة وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف من أحياء العرب، يؤمونها من العراق والبحرين واليمامة وعمان واليمن وغيرها.
اتخذت هذه السوق بعد عام الفيل ببضع عشرة سنة ثم تضاءل شأنها بعد سنة 129هـ بظهور حركة الخوارج الحرورية، فخربت بعد ذلك وهُجِرت.
سوق مَجَنَّة. اسمها مشتقّ من الجن أو الجنون، أو الجَنَّة التي هي البستان، وقد كانت ذات جمال ومياه. وتعقد بأسفل مكة بمرّ الظهران، وهو وادي فاطمة في أيامنا هذه. يذهب الناس إليها بعد عكاظ ويقيمون بها العشر المتبقية من ذي القعدة حتى يروا هلال ذي الحجة فينتقلوا إلى ذي المجاز. وقيل كانوا يقيمون بها عشرين يومًا من ذي القعدة قبل أن ينتقلوا إلى ذي المجاز للحج.
وهذه السوق لكنانة وأرضها من أرض كنانة، وكان يجلب إليها ما يجلب إلى تلك الأسواق من متاع. وهذه السوق وإن كانت أقل شأنًا من عكاظ وذي المجاز إلاّ أنها تستوي معهما في نظر المُحرِمين من العرب وتتمتع منهم جميعًا بالاحترام حتى كانت قريش وغيرها من العرب تقول:"لا تحضروا سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز إلاّ محرمين بالحج".