وفي فترة ضعف الدولة العثمانيّة أخذت الدول الأوروبيّة الكبرى تتصل بالقوى المحليّة في لبنان، وبدأت تحرضهم ضدها لتنال من ضعفها، كما أن بعض القوى المحليّة أخذت تتصل بالدول الأوروبيّة لتدعم مكانتها المحليّة ضد القوى المحليّة الأخرى المنافسة لها. وقد شعر العثمانيون أن وضع جبل لبنان الداخليّ لا يبعث على الاطمئنان فرأوا أن يعملوا على تنظيمه إداريًا بشكل يتناسب مع ظروفه الحاضرة، فقسموا لبنان إلى قسمين: القسم الشمالي وعينوا عليه قائمقامًا مارونيًا. والقسم الجنوبيّ وعينوا عليه قائمقامًا درزيًا، ومع هذا لم يصبح وضع القائمقاميتين أفضل ممّا كانتا عليه في السابق، ولم تستقر الأمور الداخلية فيهما. فقد وقعت في جبل لبنان خلافات طائفيّة حادة خاصة بين الدروز والموارنة عام 1841م، وكذلك عام 1845م.
حاولت الدولة العثمانية على الرغم من ضعفها أن تمسك بزمام الأمور، فأنشأت مجلسين منتخبين يشاركان في إدارة القائمقاميتين جنبًا إلى جنب مع القائمقامين على الشمال والجنوب في جبل لبنان. إلا أن الاضطرابات المحليّة في الجبل لم تتوقف، فقد توترت الأوضاع من جديد بين الدروز والموارنة عام 1860م. وتدخلت الدول الأوروبيّة في النزاع الداخليّ في الجبل، حتى أن فرنسا أرسلت عام 1860م حملة عسكريّة فرنسيّة مؤلفة من ستة آلاف جنديّ، إلاّ أن الدولة العثمانية أسرعت وحلت الخلاف بشكل يرضي جميع الطوائف. ولما وصلت الحملة الفرنسية إلى لبنان وجدت أن الأمر قد حل، فاضطرت إلى الانسحاب. وتعدّ هذه الحملة، على الرغم من أنها لم تفعل شيئًا، بمثابة إنذار للدولة العثمانية، وبمثابة دعم وتأييد للجماعات المارونيّة، وهي أيضًا بمثابة مناورة عسكريّة أرادت بها فرنسا أن تلفت نظر الإنجليز إلى أن لبنان والمناطق السوريّة هي ضمن خريطة الاستعمار الفرنسي في الشرق.