الصفحة 18 من 52

1 -بذل البوطي جهدًا أظنّه كبيرًا -إذا قورن بمستواه العقلي والعِلمي- في إثبات أنّ علّة القتال في الإسلام هي الحرابة وليس الكفر، وهو ينصر قول الجمهور على رأي الشّافعيّة والظّاهريّة، وإلى هنا فلا غبار (إلاّ غبار التّعالم الغثّ حينما وصف فقهاء الشافعيّة بالاضطراب والحيرة) .

وأتمنّى لو أنّ الله أطال بعمر الشّافعي حتى يسمع حجج البوطي فيغيِّر رأيه في المسألة!!.

ووصف الظاهريّة بأقذع عبارة فقال:"وأمّا ابن حزم وأصحابه من الظاهرية، فإنّ شأنهم من الجمود العنادي (لا تسألني عن معناها، فصدقًا لا أعرف) عند ظواهر ما يروق لهم من النصوص في الأحكام الشرعيّة (آخر روقان) كشأن الخوارج (حسبنا الله ونعم الوكيل) من جمودهم العنادي عندما يروق لهم من النصوص في المبادئ الاعتقاديّة (ص107) . (كان الله في عون القرّاء في تحمّل هذه الغثائيّة) ."

نقول أن ينصر رأيا على آخر فهذا لا غبار عليه، لكنّه تابع مفسِّرًا معنى الحرابة في لغة الفقهاء قائلًا:"معنى الحرابة، ظهور قصد العدوان" (ص107) ثمّ قال (ص110) :"ظهور قصد العدوان من خلال أدلّةٍ واضحة". ولم يسق الفقيه دليلًا واحدًا لما قال.

وقصد البوطي من ذلك أن يخبرنا (رغم أنوفنا) أنّ الجمهور لا يقولون بالقتال الهجومي (وهو الذي يسمّى بجهاد الطّلب) ، وإنّما القتال المشروع عندهم (أي الجمهور) هو القتال الدفاعي عند ظهور العدوان أو قصده.

ونُعيد ونكرّر أنّ للبوطي الحق أن يقول ما يشاء، أما أن يكذب على الفقهاء، ويفسِّر عباراتهم كما يريد فهذا اسمه (فيما أعلم) كذبٌ وتزوير. لأن الحرابة في لغة الفقهاء تعني وجود المرء الكافر المشرك في دار الحرب، أو دخوله دار الإسلام بغير عهد ولا أمان.

ودار الحرب هي دار الكفر التي لا يوجد بينها وبين دار الإسلام عهدٌ وميثاق، والإجماع منعقد على أن الكافر مباحُ الدّم والمال على كل حال ما لم يؤمّن من المسلمين. فهذه هي الحرابة التي تجيز للمسلم قتل الكافر وقتاله، إذ لا خلاف بين العلماء في هذا القدر من الحديث.

قال الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن مجـ3 ص191: وجائزٌ للمسلمين ترك قتال من لا يقاتلهم من الكفّار .. ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنّما الخلاف في جواز ترك قتالهم، لا في حظره. اهـ.

فهذا حنفيٌّ لا يعلم أحدًا من الفقهاء حظر (منع) قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنّما الخلاف في تركه.

فماذا يقول دعِيّ الفقه ملا سعيد رمضان البوطي؟ انظر يا بوطي"الجامع لأحكام القرآن" [مجـ2 ص354] و"أحكام القرآن"لابن العربي [مجـ1 ص110] وهما مالكيّان.

2 -كذب البوطي على السّلف وقوّلهم إجماعًا لم يحصل لهم قط، بل المشهور خلافه.

قال البوطي في كتابه (اللَّقطة) :"هكذا فلندع إلى الإسلام" [ص95] في حديثه أنّ دار الإسلام لا تنقلب إلى دار حرب، قال: كما أجمع السَّلف أنّ هذه البلاد لا تزال دار إسلام لأنّها دخلت ذات يومٍ تحت سيادة المسلمين وسلطانهم. اهـ.

وفي كتابه"الجهاد"يكرّر في أكثر من موطن أن عدم التحوّل هو قول الجمهور، ولم يخالف إلاّ الحنفيّة أو حسب تعبيره: جمهور من أتباع أبي حنيفة (الجهاد في الإسلام ص81) .

فهو يريد أن يقذف في روع القارئ كعادته أنّ دار الإسلام لا تتحوّل إلى دار كفر.

وهذا القدْر من المطلوب مشروع، لكن أن يتّخذ سبيل الكذب لهذا المراد، فهذا هو المذموم، فقد علم صغار طلبة العلم أن الحنفيّة - الصاحبين - والمالكيّة والحنابلة يقولون بضدّ قول السّلف الذي افتراه البوطيّ، وهو يعلم أنّ ما نسبه إلى جمهورٍ من أتباع الحنفيّة هو قول الإمام نفسه، وخالفه الصاحبان (محمد وأبو يوسف) .

فقول الحنفيّة مبسوط في بدائع الصنائع، وقد ذكره البوطي مرجعا بالجزء والصفحة، وقول المالكيّة أشهر من نارٍ على عَلَم، فهم الذين أجمعوا على تحوّل مصر إلى دار كفرٍ وردَّة كدار مسيلمة عندما حُكمت من قِبَل بني عبيد الإسماعيليين الكفَرة، وهو كما قال القاضي عياض: وعلى هذا أجمع أصحاب سحنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت