قلنا إنّ التيّارات السلفية المتعددة، الصادق منها والمدّعي بلا برهان، حاولت أن تكسب الشيخ إلى صفّها، وهذا من قديم، فقد دُعي الشيخ كثيرًا إلى تشكيل تنظيم سلفيّ، وقد بذلت الجهود إلى أخذ المباركة منه لبعض الأعمال من السلفيين، ولكن هناك تيّارٌ استطاع دفع الشيخ إلى داخله، والاستفادة من اسمه وتأطيره إليه، وهذا التيّار له أفكارٌ وميّزات، وبعيدًا عن البحث في آلية حدوث هذه الأفكار السلفية الغريبة. سواء من الجوانب النفسية كالجُبن وغيره. أو جوانب الانتماء الحكومي فإنّنا سنبرِزُها بصورة مجرّدة كما هي، وهذه الأفكار هي:
(1) إسباغ الشرعية على الواقع: حكوماتٍ ومجتمعات، فالحكومات في ذهنية هذا التيّار هي حكوماتٌ إسلامية، لم تفقد من أركان الإسلام شيئًا، نعم صحيح هي حكومات متغلِّبة وظالمة، ولكنَّها حكوماتٌ لها البيعة في عنق تابعيها، والخروج عليها بغيٌ وعدوان، فآل سعود هم حكّامٌ مسلمون، ومن تكلّم عليهم بسوءٍ فقد وضع رجله في سبيل أهل البدع، ومناقشتهم فيما يفعلون هو تطاول على وليِّ الأمر، ومثل آل سعود كذلك الملك حسين فهو مسلم إلى مشاشه، بل هو من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم الذين تجب محبّتهم، ويُعلن شيخ هذا التيّار في الأردن محمد بن إبراهيم شقرة في كثير من مجالسه: أنّه يُحِب الملك حسين في الله، وكذلك حكَّام الخليج، بل الأغرَب من ذلك أن ذيل هذا التيّار في الجزائر كان يعلن أن الخروج على الشاذلي بن جديد هو بغي على وليّ الأمر المسلم.
وأمّا المجتمعات فهي مسلمة في كلّ شيءٍ إلا في عدم لبس الثّوب العربي إلى منتصف السّاق، وفي حمل السّبحة حين الذكر، وفي تزيين المصاحف والمساجد، وأمثالها.
(2) تحريم العمل التنظيميّ ووسمه بالبدعة الجديدة، وصرف الجهود من أعمال تأليفيّة وخطب وندوات في صرف الناس عن العمل الجماعي، وكأنّه جريمة المسلم المتديّن في هذا العصر، ولذلك هم يصبّون جام غضبهم ويشتدّ احمرار أنوفهم عندما يسمعون أن تجمّعًا قام، أو أنّ تنظيمًا حدث، فيسارعون -ولا ندري بمباركة من؟ - إلى فضحه على رؤوس الأشهاد والتنفير منه، وللأسف أن الكثير من التنظيمات الإسلامية السرّيّة قد كُشفت على يد هؤلاء القوم، لأنّهم يعتبرون أنّه من القربة إلى الله كشف هؤلاء المبتدعين (كما يظنّون) .
وبدل أن تنتشر في المسلمين الروح الجماعية، والعمل التنظيمي تعمّقت لديهم الفردية المقيتة، وصار الانتماء إلى تنظيم أو إلى حركة في نفس المسلم رذيلة ومنقصة يحاول أن يتبرّأ منها، بل ويتبجّح للتدليل على نزاهته في الحكم، واستقلاله في الرؤية: أنّه ليس في تنظيم، بل ولا (منتمي) .
(3) إسقاط حكم الجهاد القتالي في هذا العصر والإعلان أنّ كلّ من حمل السلاح مجاهدًا في سبيل الله هو من أصحاب الفكر المبتدع، فهو إمّا خارجي أو باغٍ، وهذا الإسقاط له أدلّة متنوّعة داخل هذا التيّار، فمرّة تحت دليل أنّ الجهاد لا يجوز إلا تحت إمام عامّة، فإذا سُئلوا: هل نجاهد لتنصيب إمام عامّة؟، قالوا: هذه بدعة، وهو دَوْر منطقيٌّ فاسد، لا حل له في عقولهم، ومرة تحت دعوى: أنّ الجهاد يجرّ المصائب على المسلمين، فطريق السّلامة أولى وأسلم، ومرّة تحت دعوى أن أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر، فلماذا تتركون أفضل الجهاد إلى أدناه وهو حمل السلاح، ومرّة ومرّة ... أدلّة لو عُرضت على النهج السلفيّ الحق لاستقاء منها تقزُّزًا.
(4) رفع شعار (إنّ من فقه الواقع أن تدع فقه الواقع لتكون من أفقه الناس بفقه الواقع) ولذلك هم يشنّون الغارة تلو الغارة على من حاول فهم واقعة من خلال متابعته للأحداث الحياتية والسياسية، أو إذا اعتمدها المتحدث في بناء أحكامه وتصوراته عن واقعه وحياته، وهم يحتجّون في تنفيرهم من هذه المنقبة العظيمة أنّها تُلهي عن طلب العلم الصحيح، وعلى صيغة سؤال يُقال لك: ما الأولى والأفضل لطالب العلم، أن يقرأ كتاب فقهٍ ويحفظ حديثًا نبويًّا أو يضيّع وقته في سماع الأخبار وقراءة الجريدة؟. وهو سؤال يجد له صدىً في نفسيّة المسلم المتخلِّفة، بل وعقليته المنحطّة.
هذه أبرز سمات هذا التيّار وهي سمات وخصائص لا يسمح هذا التيار لنفسه أن يتخلّى عن شيءٍ منها.