بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
أما بعد فإنك سألتني، أسعدك اللهُ بطاعته، أنْ أذكرَ لك جُمَلاً في تحقيق القراءة وترتيلها، وتجويد التلاوة وترسيلها، وعلى ما ورد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصحابته الأبرار، والتابعين وأتباعهم المصطفين الأخيار. فأسألتُكَ على ما أنا عليه من تَقَسُّمِ الفِكْرِ لترادفِ الغموم، وتشعُّثِ الخاطر لتكاثُفِ الهموم، جارياً على المألوفِ من تَوَخِّي رضاك، راجياً من الله تعالى أن يُبَلِّغَكَ أقصى مُرادِكَ ومُناك. وسلكتُ في النهوضِ بِعِبْئِهِ والعنايةِ بتأليفهِ وجمعهِ مذهب أبي زُبَيْدٍ الطائي في قوله: حَمَّالُ أَثْقَالِ أَهْلِ الوُدِّ آوِنَةً أُعْطِيهِمُ الجُهْدَ مِنِّي بَلَهَ مَا أَسَعُ (*)
فذكرتُ من ذلك جملاً لا يشوبُها الإسهابُ والإكثارُ. ولا يُزْرى بها ما أسعُ والاختصار، مستعيناً بالله في ذلك، وفي جميع أموري، وعليه أتوكَّلُ، وهو حسبي ونعم الوكيلُ.
اعلم أيها السائل أنَّ هذا القبيل من أشرفِ علومِ القرآنِ وأكرمِها وأعلاها وألطفِها، غيرَ أنَّه مع ذلك غُفْلٌ مَسْهُوٌّ عنه، لاعتياصه على كثير من الأشياخ المبرزين، فضلاً عن الأحداث المبتدئين. وقد ورد في نص التنزيل من فضيلة الترتيل، وجاء في الصحاح من الأخبار والآثار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحابته النجباء الأخيار ما يُوجِبُ على القراء العناية في طلبه، وكدَّ الأبدان بسببه، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ العبدُ عملاً أن يُحْكِمَهُ» .
[١] - أخبرناه أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ
--------------------
(*) البيت من بحر البسيط، وهو للطائي كما في ديوانه (ص/ ٧٠٩) وخزانة الأدب (٦/ ٢٢٨) ، ولسان العرب
(١٣/ ٤٠) ، وبالنسبة كما في جمهرة اللغة (ص/ ٣٨٠) .
(١) حديث حسن لغيره. أخرجه الطبراني وأخرجه ابن أبي داود (ص/ ١٢٥) في المصاحف، وله شواهد كثيرة وكما في المجمع (٤/ ٩٨) ، والمطالب العالية (١٢٧٥) .