المبحث الواحد والأربعون
أهم الجرائم التي تدخل النار
سُئِلَ ابن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَا عَمَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ ؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،"عَمَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ"الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى ، وَعَمَلُ أَهْلِ النَّارِ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ، فَأَعْمَالُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَالشَّهَادَتَانِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ،وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ .
وَأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك .
وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ": صِدْقُ الْحَدِيثِ ،وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ ،وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمَمْلُوكِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ .
وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ"الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ ،وَالْمَحَبَّةُ لَهُ وَلِرَسُولِهِ، وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَرَجَاءُ رَحْمَتِهِ، وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى حُكْمِهِ ،وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ .
وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ": قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَذِكْرُ اللَّهِ وَدُعَاؤُهُ ،وَمَسْأَلَتُهُ وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ . وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ": الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ .
وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ": أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك ،وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّها { لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران/133، 134] .
وَمِنْ"أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ": الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ حَتَّى الْكُفَّارِ . وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ .
وَأَمَّا"عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ": فَمِثْلُ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالرُّسُلِ وَالْكُفْرِ وَالْحَسَدِ وَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْغَدْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْجُبْنِ عَنِ الْجِهَادِ وَالْبُخْلِ ،وَاخْتِلَافِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ،وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْجَزَعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَالْفَخْرِ وَالْبَطَرِ عِنْدَ النِّعَمِ ، وَتَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ، وَاعْتِدَاءِ حُدُودِهِ وَانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ ،وَخَوْفِ الْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِقِ، وَرَجَاءِ الْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِقِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى الْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِقِ، وَالْعَمَلِ رِيَاءً وَسُمْعَةً ،وَمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَطَاعَةِ الْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَالتَّعَصُّبِ بِالْبَاطِلِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَجَحْدِ الْحَقِّ، وَالْكِتْمَانِ لِمَا يَجِبُ إظْهَارُهُ مِنْ عِلْمٍ وَشَهَادَةٍ .
وَمِنْ"عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ"السِّحْرُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ،وَأَكْلُ الرِّبَا ،وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ . وَتَفْصِيلُ"الْجُمْلَتَيْنِ"لَا يُمْكِنُ ؛ لَكِنَّ"أَعْمَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ و"أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ"كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) [النساء/13-14] } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [1] .
وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - جماع الذنوب التي تدخل النار ، ففي صحيح مسلم
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِى خُطْبَتِهِ « أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِى يَوْمِى هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِىَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِى أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِى فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قَالَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِى قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ - قَالَ - وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ الضَّعِيفُ الَّذِى لاَ زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلًا وَلاَ مَالًا وَالْخَائِنُ الَّذِى لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِى إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ » [2] .
يثلغ: يكسر -اجتال: أضل -الزبر: العقل -الشنظير: سيئ الخلق -نغزك: نعينك
وعَنْ عِيَاضِ بن حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، وَإِنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عِبَادِي فَهُوَ لَهُمْ حَلالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ فَأَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَغْزُوَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُمْ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً، فَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَقَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ، فَاغْزُهُمْ يُعِزَّكَ اللَّهُ وَأَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نُمِدَّكَ بِخَمْسَةِ أَمْثَالِهِمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لا زَبَرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ لا يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أَهْلا وَلا مَالا، وَرَجُلٌ إِنْ أَصْبَحَ أَصْبَحَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَرَجُلٌ لا يَخْفَي لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلا ذَهَبَ بِهِ، وَالشِّنْظِيرُ الْفَاحِشُ"قَالَ: وَذَكَرَ الْبُخْلَ وَالْكَذِبَ . [3]
ـــــــــــــ
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 422) فما بعدها
(2) - صحيح مسلم (7386 )
(3) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 12 / ص 332) (14397) صحيح