فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 108

المبحث الخامس والعشرون

شدة ما يكابده أهل النار

النار عذابها شديد ، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال ، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(91) [آل عمران/91] )

إن الذين جحدوا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وماتوا على الكفر بالله ورسوله، فلن يُقبل من أحدهم يوم القيامة ملء الأرض ذهبًا; ليفتدي به نفسه من عذاب الله، ولو افتدى به نفسه فِعْلا. أولئك لهم عذاب موجع، وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله.

وقال الحق في هذا المعنى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(36) [المائدة/36] )

إِنَّ الذِينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ ، وَعَبَدُوا غَيْرَهُ ، أوْ أشْرَكُوا مَعَهُ فِي الألُوهِيَّةِ غَيْرَهُ ، وَمَاتوا قَبْلَ أنْ يَتُوبُوا ، فَإنَّهُم لاَ نَجَاةَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَلَوْ أنَّ أحَدَهُمْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ ، لِيَفْتَدِيَ بِذَلِكَ الذَّهَبِ مِنْ عَذابِ اللهِ الذِي قَدْ أَحَاطَ بِهِ ، لَمَا تُقُبِّلَ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَلاَ مَنْدُوحَةَ عَنْ عَذَابِهِ ، وَلا مَحِيصَ لَهُ مِنْ أنْ يُلاَقِيَ جَزَاءَهُ العَادِلَ مِنَ العَذَابِ ، وَهُوَ عَذَابٌ مُوجِعٌ ألِيمٌ .

وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِى النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ.وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِى بُؤُسٌ قَطُّ وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ » [1] .

إنها لحظات قليلة تنسي أكثر الكفار نعيما كل أوقات السعادة والهناء. وفي الصحيحين

عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ « يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِى بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ . فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ » [2]

وعَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيُقَالُ: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ. [3]

إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه ، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار وأنى له النجاة: ( يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) [المعارج/11-18] )

وَيُبْصِرُ الأَقَارِبُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ، وَيَتَعَارَفُونَ ، ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَيَتَمَنَّى الكَافِرُ لَوْ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأبْنَائِهِ ، وَهُمْ أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيْهِ ، فَيْدْفَعُ بِهِمْ إِلَى العَذَابِ لِيَنْجُوَ هُوَ مِنْهُ . أَوْ أَنْ يُقَدِّم فِدَاءً عَنْهُ زَوْجَتَهُ أَوْ أَخَاهُ . أَوْ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ أَفْرَادِ عَشِيرَتِهِ التِي تَضُمُّهُ إِلَيْهَا . أَوْ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ أَهْلِ الأَرْضِ فِدَاءً لَهُ لِيَخْلُصَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ العَذَابِ .

كَلاَّ لاَ يُقْبَلُ فِدَاءٌ مِنَ الكَافِرِ ، وَلَوْ أَنَّهُ افْتَدَى بِجَمِيعِ أَهْلِ الأَرْضِ ، وَبِجَمِيعِ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ ذَهَبٍ وَمَالٍ ، إِنَّهَا النَّارُ الشَّدِيدَةُ الحَرَارَةِ تَحْرُقُ كُلَّ شَيءٍ بَارِزٍ مِنْ جِسْمِ الإِنْسَانِ فَتُزِيلُهُ وَكَأَنَّهَا تَنْزِعُهُ انْتِزَاعًا .

إِنَّهَا النَّارُ المُحْرِقَةُ تُنَادِي إِلَيهَا أَصْحَابَهَا مِنَ الكَفَرَةِ الذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ لَهَا ، وَهُمُ الذِينَ تَوَلَّوْا حِينَمَا دَعَاهُمْ رُسُلَهُمْ إِلَى الإيْمَانِ بِاللهِ ، وَوَلّوْا مُدْبِرِينَ .وَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الذِي جَمَعَ المَالَ وَأَوْدَعَهُ فِي الأَوْعِيَةِ كَانِزًا لَهُ ، وَلَمْ يُنْفِقْهُ فِي وُجُوهِ البِرِّ والطَّاعَاتِ والخَيْرِ .

ـــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (7266 )

(2) - صحيح البخارى (6538 ) ومسلم (7263 )

(3) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 348) (7351) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت