المبحث الثاني و الثلاثون
في وصف نساء أهل الجنة
قد وصف الله تعالى نساء أهل الجنة- الحور العين- وحسنهن وجمالهن الظاهر والباطن في كتابه العزيز بأوصاف ٍعدة هي:
أولًا: قال تعالى: (وَزَوَجْنَاهُم بِِحُور ٍعِينٍ) {الدخان:54} , والحور:جمع حوراء, وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين. وقال زيد بن أسلم:"الحوراء: التي يحار فيها الطرف".وقال مجاهد: يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن". ومعنى عين: أي حسان الأعين, قال القرطبي:العين جمع عيناء, وهي الواسعة العظيمة العينين [1] ."
وقوله (زوجناهم) يفهم منها معنيان:الأول:جعلناهم أزواجًا اثنين اثنين.
الثاني:قرناهم بهن, وليس من عقد التزويج ، لأن العرب تقول:تزوجتها , ولا تقول: تزوجت بها, وقيل: بل هي لغة تميم فهم يقولون: تزوجت بامرأة.
والظاهر- والله أعلم- أن الآية تحمل المعنيين معًا,فلفظ التزويج يدل على النكاح, و (الباء) تدلُّ على الاقتران والضم, وهذا أبلغ من حذفها.
ثانيًا:قال تعالى: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) {البقرة:25} فقد وصفهن الله تعالى بأنهن مطهرات ,أي: من الحيض والنفاس والبول والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر وأذى يكون من نساء الدنيا, فطهُر مع ذلك باطنهن من الأخلاق السيئة والصفات الذميمة, وطهُرت ألسنتهن من الفحش والبذاءة , وطهُر طرفهن من أن تطمع به إلى غير زوجها, وهذا المعنى يظهر جليًا في الآتي:
ثالثًا:قال تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) {الرحمن:56} وقال تعالى: (وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) {الصافات:48} , فوصفهن بأنهن يقصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يبغين غيرهنّ .
رابعًا: قال تعالى: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا* حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا* وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا) {النبأ:31-33 }
وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ السُّعَدَاءِ ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الكَرَامَةِ ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَتَّقُونَ رَبَّهُمْ جَنَّاتٍ وَمُتَنَزَّهَاتٍ نَضِرَةً ، وََفَوْزًا بِالنَّعِيمِ وَالثَّوَابِ ، وَبِالنِّجَاةِ مِنَ العِقَابِ .
وَلَهُمْ بَسَاتِينُ مُسَوَّرَةٌ ( حَدَائِقَ ) فِيهَا أَشْجَارُ النَّخَيلِ وَالأَعْنَابِ ، وَكُلِّ الثَّمَرَاتِ .
وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ حِسَانٌ صِبَاحُ الوُجُوهِ ، قَدْ تَكَعَّبَتْ أَثْدَاؤُهُنَّ وَلَمْ تَتَرَهَّلْ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِنَّ ، وَهُنَّ أَبْكَارٌ مُتَمَاثِلاَتٌ فِي الأَعْمَارِ .
وقال تعالى: (عُرُبًا أَتْرَابًا) {الواقعة:37} , فوصفهن-تبارك و تعالى- بأنهن أتراب: أي على سن ٍواحدة ٍ, بنات ثلاث وثلاثين سنة, وقال مجاهد: أتراب: أمثال , وقال أبو عبيدة: أقران. أما قوله (كواعب) :جمع كاعب وهي الناهد, والمراد أن ثديهن نواهد مستديرة كالرمان ليست متدلية لأسفل. وأما قوله (عربًا) جمع:عروب , وهنَّ المتحببات إلى أزواجهن,وقال المبرد: العاشقة لزوجها, وقال أبو عبيدة: الحسنة التبعل.
خامسًا: وصفهن الله تعالى بالبكارة كما في قوله: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ ٌقَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) {الرحمن:56} أي:لم يطأهن ولم يجامعهن إنس ولا جان قبل أزواجهم.
سادسًا:وصفهن بالصفاء, فقال تعالى: (كَأَنَّهُنَّّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) {الرحمن:58} قال المفسرون:أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان. وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الْحُسْنِ ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، لاَ يَسْقَمُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ ، وَلاَ يَبْصُقُونَ ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ ، وَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأُلُوَّةُ - قَالَ أَبُو الْيَمَانِ يَعْنِى الْعُودَ - وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ » [2] .
وعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ فِى الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّتِى تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا فِى الْجَنَّةِ أَعْزَبُ » . [3]
سابعًا:قال تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) {الرحمن:72} أي:محبوسات في الخيام, وقال أبو عبيدة: خدرن في الخيام. وقال عمر- رضي الله عنه:الخيمة درة مجوفة [4]
وفي الآية معنىً آخر:أنهن محبوسات على أزواجهن, قال قتادة:مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ.
ثامنًا:وصفهنّ بأنهنّ خيرات الصفات والأخلاق والشيم, وحسان الوجوه, فقال تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) {الرحمن:70} , قال سعيد بن عامر: لو أن خيرة من (خيرات حسان) اطلعت من السماء لأضاءت لها, ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر. [5]
تاسعًا:قال تعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء *فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ً* عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ اليَمِينِ ) {الواقعة:35-38} وفي تفسيرها قولان:
الأول:أنها في الحور العين حيث أنشأهنّ الله وخلقهنّ خلقًا جديدًا من غير توالد.
والثاني:أنها في النساء الآدميات, حيث يخلقهنّ الله تعالى غير خلقهنّ الأول , ويصبحن أبكارًا, وهذا تفسير ابن عباس- رضي الله عنه-ويؤيده ما روي عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَتْهُ عَجُوزٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ كَلِمَتِكَ مَشَقَّةً وَشِدَّةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَدْخَلَهُنَّ الْجَنَّةَ حَوَّلَهُنَّ أَبْكَارًا" [6] .
وعَنْ سَلَمَة بْن يَزِيد , عَنْ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذِهِ الْآيَة { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء } قَالَ:"مِنْ الثَّيِّب وَالْأَبْكَار" [7] . يعني من أهل الدنيا والله أعلم.
قال القرطبي: واختلف أيهما أكثر حسنًا وأبهر جمالًا: الحور أو الآدميات؟ فقيل:الحور لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة ولقوله-عليه الصلاة والسلام- في دعائه على الميت في الجنازة: « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ » . [8]
وقيل:الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف ...ثم ذكر قول حبان بن أبي جبلة:إن نساء الدنيا من دخل منهنّ الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا" [9] "
وعَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه: إِنَّ الْمَرْأَة مِنْ أَهْل الْجَنَّة لَتَلْبَس سَبْعِينَ حُلَّة مِنْ حَرِير , فَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا وَحُسْنُهُ , وَمُخّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاء ذَلِكَ , وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه قَالَ: { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوت وَالْمَرْجَان } أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَاقُوت حَجَر فَإِذَا أَدْخَلْت فِيهِ سِلْكًا , رَأَيْت السِّلْك مِنْ وَرَاء الْحَجَر . [10]
وعَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ:"إِنَّ الْمَرْأَة مِنَ الْحُور الْعِين لَتَلْبَس سَبْعِينَ حُلَّة , فَيُرَى مُخّ سَاقهَا كَمَا يُرَى الشَّرَاب الْأَحْمَر فِي الزُّجَاجَة الْبَيْضَاء" [11] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، إِنَّ لَهُ لَسَبْعَ دَرَجَاتٍ، وَهُوَ عَلَى السَّادِسَةِ، وَفَوْقَهُ السَّابِعَةُ، وَإِنَّ لَهُ لَثَلاَثَ مِائَةِ خَادِمٍ، وَيُغْدَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَيُرَاحُ بثَلاَثُ مِائَةِ صَحْفَةٍ. وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ: مِنْ ذَهَبٍ فِى كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ فِى الأُخْرَى، وَإِنَّهُ لَيَلَذُّ أَوَّلَهُ كَمَا يَلَذُّ آخِرَهُ، وَإِنَّهُ لَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَوْ أَذِنْتَ لِى لأَطْعَمْتُ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَسَقَيْتُهُمْ لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدِى شَىْءٌ، وَإِنَّ لَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ لاَثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ لَيَأْخُذ مَقْعَدُتهَا قَدْرَ مِيلٍ مِنَ الأَرْضِ. [12]
وعن عبد الله بن أبي أوفى ، ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُزَوَّجُ خَمْسَمِائَةِ حَوْرَاءَ ، وَأَرْبَعَ آلَافِ بِكْرٍ ، وَثَمَانِيَةَ آلَافِ ، يُعَانِقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِقْدَارَ عُمْرِهِ فِي الدُّنْيَا" [13]
الثيّب: مَن ليس ببكر، ويقع علي الذكر والأنثى، رَجُل ثُيّب وامرأة ثيب، وقد يُطْلق على المرأة البالغة وإن كانت بكْرا، مجَازا واتّساعا.
وعن عبد الرحمن بن سابط ، قال:"إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُزَوَّجُ خَمْسَمِائَةِ حَوْرَاءَ ، وَأَرْبَعَمِائَةِ بِكْرٍ ، وَثَمَانِيَةَ آلَافِ مَا مِنْهُمْ وَاحِدَةٌ إِلَّا يُعَانِقُهَا عُمْرَ الدُّنْيَا كُلِّهَا ، لَا يَأْجَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّهُ لَتُوضَعُ مَائِدَتُهُ ، فَمَا تَنْقَضِي مِنْهَا عُمْرَ الدُّنْيَا كُلَّهُ ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِيهِ الْمَلَكُ بِتَحِيَّةٍ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبَيْنَ أُصْبُعِهِ مِائَةٌ ، أَوْ سَبْعُونَ حُلَّةً ، فَيَقُولُ: مَا أَتَانِي مِنْ رَبِّي شَيْءٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ هَذَا ، فَيَقُولُ: أَيُعْجِبُكَ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَيَقُولُ الْمَلَكُ شَجَرَةٍ: يَا شَجَرَةُ كُونِي لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ" [14]
الثيّب: مَن ليس ببكر، ويقع علي الذكر والأنثى، رَجُل ثُيّب وامرأة ثيب، وقد يُطْلق على المرأة البالغة وإن كانت بكْرا، مجَازا واتّساعا.- الأدنى: الأقرب
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ . فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِى ، فَإِنْ كَانَ فِى الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ ، وَإِلاَّ سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ . فَقَالَ لَهَا « هَبِلْتِ ، أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِىَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّهُ فِى الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى » .
وَقَالَ: « غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ ، لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا ، وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِى الْخِمَارَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا » [15] .
والنصيف: هو الخمار (غطاء الرأس) .
وعن يحيى بن أبي كثير"أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ ، يَتَلَقَّيْنَ أَزْوَاجَهُنَّ عِنْدَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُلْنَ طَالَمَا انْتَظَرْنَاكُمْ فَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ وَالْمُقِيماتُ فَلَا نَظْعَنُ ، وَالْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ ، بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سُمِعَتْ . وَتَقُولُ: أَنْتَ حِبِّي وَأَنَا حِبُّكَ لَيْسَ دُونَكَ قَصْدٌ وَلَا وَرَاءَكَ مَعْدًى" [16] - سخط: غضب
وقال مالك بن دينار:نمت ذات ليلة-ولم يقرأ حزبه- فإذا أنا في المنام بجاريةٍ ذات حسن ٍوجمال وبيدها رقعة, فقالت: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت: نعم, فدفعت إليّ الرقعة فإذا مكتوبٌ فيها هذه الأبيات:
لَهَاكَ النومُ عن طلبِ الأماني.... وعن تلكَ الأَوانِس ِفي الجنانِ
تعيشُ مخلدًا لا موتَ فيها وتلهوُ في الخِيام ِمَعَ الحِسانِ
تنبَّهْ مِن منامك إنَّ خَيرًا مِن النَّومِ التهجد بالقُرَانِ [17]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ ، أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا ، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. [18]
النصيف: الخمار -والقاب: هو القدر، وقال أبو معمر قاب القوس من مقبضه إلى رأسه
وعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ فِى الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّتِى تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا فِى الْجَنَّةِ أَعْزَبُ » . [19]
وعن أَيُّوبَ ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ، يَقُولُ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ فَأَتَوْا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -: أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَضْوَأِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ دُرِّيٍّ أَوْ دُرِّيءٍ - شَكَّ سُفْيَانُ - لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزُبُ. [20]
الزمرة: الجماعة من الناس - الدري: الكوكب المتلألئ الضوء -مخ الشيء: خالصه
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَةً ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (58) سورة الرحمن، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ ، فَإِنَّهُ حَجَرٌ ، لَوْ أُدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ، ثُمَّ اسْتَصْْفَيْتَهُ لأُرِيتَهُ مِنْ وَرَائِهِ. [21]
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ سَبْعِينَ حُلَّةِ حَرِيرٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن] ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ ، فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَهُ سِلْكًا ثُمَّ اطَّلَعْتَ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ. [22]
وعَنْ سَعِيدِ بن عَامِرِ بن حِذْيَمٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَشْرَفَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَمَلأَتِ الأَرْضَ رِيحَ مِسْكٍ ، وَلأَذْهَبَتْ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لأَخْتَارَكِ عَلَيْهِنَّ ، وَدَفَعَ فِي صَدْرِهَا ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ . [23]
وعن رَبِيعََ بْنِ كُلْثُومٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَشْرَفَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، لَمَلأَتِ الأَرْضَ مِنْ رِيحِ الْمِسْك ، وَلَنَصِيفُ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، هَلْ تَدْرُونَ مَا النَّصِيفُ ؟ هُوَ الْخِمَارُ. [24]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"حَدَّثَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى الْحَوْرَاءِ فَتَسْتَقْبِلُهُ بِالْمُعَانَقَةِ وَالْمُصَافَحَةِ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"فَبِأَيِّ بَنَانٍ تُعَاطِيهِ ! ، لَوْ أَنَّ بَعْضَ بَنَانِهَا بَدَا لَغَلَبَ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَلَوْ أَنَّ طَاقَةً مِنْ شِعْرِهَا بَدَتْ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا ، فَبَيْنَا هُوَ مُتَّكِئٌ مَعَهَا عَلَى أَرِيكَةٍ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَى خَلْقِهِ ، فَإِذَا حَوْرَاءُ تُنَادِيهِ: يَا وَلِيَّ اللَّهِ أَمَا لَنَا فِيكَ مِنْ دُولَةٍ ؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ يَا هَذِهِ ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ اللَّوَاتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (35) سورة ق، فَيَتَحَوَّلُ عِنْدَهَا ، فَإِذَا عِنْدَهَا مِنَ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ مَا لَيْسَ مَعَ الْأُولَى ، فَبَيْنَا هُوَ مُتَّكِئٌ مَعَهَا عَلَى أَرِيكَتِهِ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِ ، فَإِذَا حَوْرَاءُ أُخْرَى تُنَادِيهِ: يَا وَلِيَّ اللَّهِ أَمَا لَنَا فِيكَ مِنْ دُولَةٍ ؟ فَيَقُولُ: وَمَنْ أَنْتِ ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ اللَّوَاتِي قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (17) سورة السجدة ، فَلَا يَزَالُ يَتَحَوَّلُ مِنْ زَوْجَةٍ إِلَى زَوْجَةٍ" [25] .
البنان: أطراف الأصابع -بدا: وضح وظهر - الأريكة: كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ، قَالَ: يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمَرْآةِ ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَإِنَّهَا يَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ" [26] "
وعن أنس بن مالك ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ، لَوْ أَنَّ حَوْرَاءَ بَصَقَتْ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ لَعَذُبَتِ الْبِحَارُ مِنْ عُذُوبَةِ رِيقِهَا ، وَيُخْلَقُ الْحَوْرَاءُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ [27]
(1) - تفسير القرطبي: (16/120)
(2) - صحيح البخارى (3246 ) ومسلم (7325)
(3) - صحيح مسلم (7325 )
(4) - تفسير القرطبي: (17/144)
(5) - نفس المصدر (17/142) والحديث في الزهد والرقائق لابن المبارك (1872) صحيح
(6) - صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني (416 ) والمعجم الأوسط للطبراني (5703) حسن لغيره
(7) - تفسير الطبري - (ج 29 / ص 319) (25847 ) ضعيف
(8) - صحيح مسلم (2276 ) - البرد: الماء الجامد ينزل من السماء قطعا صغارا -الدنس: الوسخ
(9) - تفسير القرطبي: (17/143) والحديث ضعيف
(10) - تفسير الطبري - (ج 29 / ص 249) (25646 ) صحيح
(11) - تفسير الطبري - (ج 29 / ص 249) (25647 ) صحيح مرسل
(12) - مسند أحمد (11223) وغاية المقصد في زوائد المسند (5122 ) حسن
(13) - البعث والنشور للبيهقي (364 ) فيه مبهم
(14) - العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (575 ) فيه ضعف
(15) - صحيح البخارى (6567 و6568)
(16) - الزهد والرقائق لابن المبارك (2050 ) صحيح مقطوع
(17) - التذكرة للقرطبي:ص511
(18) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 411) (7398) صحيح
(19) - صحيح مسلم (7325 )
(20) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 437) (7420) صحيح
(21) - سنن الترمذى (2726) صحيح لغيره
(22) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 408) (7396) صحيح
(23) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 5 / ص 307) (5379) حسن
(24) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 122) (35156) صحيح مرسل
(25) - المعجم الأوسط للطبراني (9124 ) ضعيف
(26) - المستدرك للحاكم (3774) حسن
(27) - صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني (410 ) ضعيف