وَهَؤُلاءِ النِّسْوَةُ الغَضِيضَاتُ الطَّرْفِ كَأنَّهُنَّ في جَمَالِهِنَّ ، وَبَهائِنَّ ، وَصَفَاءِ ألوانِهِنَّ: اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ .لَيْسَ لِمَنْ أحْسَنَ العَمَلَ في الدُّنيا إلا الجَزَاءُ الحَسَنُ عنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ }
وَمِنْ وَرَاءِ هَاتَيْنِ الجَنَّتَينِ ، السَّالِفِ وَصْفُهُمَا ، جَنَّتَانِ أُخْرَيَانِ أَقَلُّ مِنْهُما فَضْلًا وَصِفَةً ، أعَدَّهُما اللهُ تَعَالى لِلْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ ممَّنْ لاَ يَرْتَفِعُونَ بِأعْمالِهِمْ إلى مَرْتَبِةِ المُقَرَّبينَ .
وَتَنْبُتُ في هَاتَينِ الجَنَّتَيْنِ النَّبَاتَاتُ وَالرَّيَاحِينُ الخُضْرُ ، التِي يَضْرِبُ لَوْنُها إلى السَّوادِ ، مِنْ شِدَّةِ خُضْرَتِها .فيهما عَيْنَانِ تَفُورَانِ بالمَاءِ وَلاَ تَنْقَطِعَانِ
قال ابن شَوْذب، وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } في أبي بكر الصديق.
والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة، { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [ النازعات:40 ] ، ولم يطغ، ولا آثر الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، فعَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِى جَنَّةِ عَدْنٍ » [1]
وعن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: حماد لا أعلمه إلا رفعه في قوله: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) قال: جنتان من ذهب للمقرّبين أو قال: للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. [2]
وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثَّانِيَةَ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثَّالِثَةَ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ:"نَعَمْ ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [3]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , قَالَ: فَكَرَّرْتُهَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُكَ يَا عُوَيْمِرُ. [4]
وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدلِّ دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا؛ ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
ثم نعت هاتين الجنتين فقال: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } أي: أغصان نَضِرَة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة، { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } . هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة: إن الأفنان أغصان الشجَر يمس بعضُها بعضا.
وعن عكرِمة ( ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) قال: ظل الأغصان على الحيطان، قال: وقال الشاعر:
ما هاجَ شَوْقَكَ مِنْ هَدِيل حَمامَة تَدْعُو على فَنن الغُصُونِ حَماما
تَدْعُوا أبا فَرْخَين صَادَفَ ضاريا ذا مِخْلَبين مِنَ الصُّقُّورِ قَطاما [5]
وعن ابن عباس: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } : ذواتا ألوان. و قد روي عن سعيد بن جبير، والحسن، والسدي، وخُصَيف، والنضر بن عربي ، وأبي سِنَان مثل ذلك. ومعنى هذا القول أن فيهما فنونا من الملاذ، واختاره ابن جرير.
وقال عطاء: كل غصن يجمع فنونا من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} واسعتا الفناء.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا منافاة بينها، والله أعلم. وقال قتادة: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } ينبئ بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها.
وعَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، فَقَالَ: يَسِيرُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا الرَّاكِبُ مِئَةَ سَنَةٍ ، وَيَسْتَظِلُّ بِالْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ ، فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلالُ" [6] "
سِدْرَةُ المُنْتهى: شجرة في أقْصَى الجنة إليها يَنْتهي عِلُم الأولّين والآخِرين ولا يتعدَّاها.- القلال: جمع القلة وهي الجرة الكبيرة [7]
وفي قوله تعالى:"( وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ"قال ابن عباس:ومن دونهما في الدَّرج ,
وقال ابن زيد:ومن دونهما في الفضل,وهذا هو الراجح عند المفسِّرين, فالجنتان الأوليان:فيهما عينان تجريان ,أما الثانيتان:ففيهما عينان نضاختان,النضخ دون الجري ,والنضاخة:هي الفوارة,أما الجارية:فهي السارحة وهى أفضل من الفوارة لأنها تتضمن الفوران والجريان,وقال ابن جريج:هي أربع:جنتان منها للسابقين المقربين (فيهما من كل فاكهة زوجان) و (عينان تجريان) ,وجنتان لأصحاب اليمين (فيهما فاكهة ونخل ورمان) و (فيهما عينان نضاختان) وقال ابن زيد:إن الأوليين من ذهب للمقربين,والأُخريين من وَرِق ٍلأصحاب اليمين. [8]
قال القرطبي: فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين ؟ قل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب ، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى ، والجنتان الأخريان لمن قصرت حال في الخوف من الله تعالى. ومذهب الضحاك أن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة ، والأخريين من ياقوت وزمرد وهما أفضل من الأوليين ، وقوله: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أي من أمامهما ومن قبلهما. وإلى هذا القول ذهب أبو عبدالله الترمذي الحكيم في"نوادر الأصول"فقال: ومعنى {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أي دون هذا إلى العرش ، أي أقرب وأدنى إلى العرش ، وأخذ يفضلهما على الأوليين ..، وقال مقاتل: الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم ، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. [9]
ـــــــــــــ
(1) - صحيح البخارى (4878 ) وصحيح مسلم (466 )
(2) - تفسير الطبري - (ج 23 / ص 57) صحيح
(3) - مسند أحمد (8917) صحيح
(4) - مسند الشاميين (973) صحيح لغيره
(5) - تفسير الطبري - (ج 23 / ص 59) حسن مقطوع
(6) - الآحاد والمثاني (3141) والزهد لهناد بن السري (113 ) صحيح
(7) - انظر تفسير ابن كثير - (ج 7 / ص 501) فما بعدها
(8) - تفسير القرطبي (17/140) , الوَرِق:الفضة.
(9) - تفسير القرطبي (ج 17 / ص 184)