فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 108

وَهَذَا العَذَابُ هُوَ جَزَاؤُهُمْ فِي الآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَسُوءِ أَعْمَالِهِمْ . فَلْيَذُوقُوهُ فَهْوَ مَاءٌ حَارٌّ ، مَتَنَاهٍ فِي شِدَّةِ حَرَارَتِهِ ، وَقَدْ مُزِجَ بالصَّدِيدِ الذِي يَسِيلُ مِنْ أَجْسَادِهِم المُحْتَرِقَةِ فِي النَّارِ ( غَسَّاقٌ ) .وَلَهُمْ صُنُوفٌ أُخْرَى مِنَ العَذَابِ مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا العَذَابِ يُعَذِّبُونَ بِهَا ، كَالزَّمْهَرِيرِ ، والسَّمُومِ ، وَشُرْبِ الحَمِيمِ والغَسَّاقِ ، وَأَكْلِ الزَّقومِ . والغسلين والغساق بمعنى وحد ، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد ، وقيل ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم.

ومن أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقا: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا(10) [النساء/10] )

يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى بِدُونِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ ، وَعَلَى سَبِيلِ الهَضْمِ وَالظُّلْمِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَكُون سَبَبًا فِي إِيصَالِهِمْ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، أَوْ إنَّهُمْ إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا تَتَأجَّجُ . وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم -:"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ ، وَالسِّحْرَ ، وَقَتْلَ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ ، وَأَكْلَ الرِّبا ، وَأَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ" (صحيح)

وقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) [البقرة/174، 175] )

يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الذِينَ يُخْفُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ عَلَى رُسُلِهِ ، أَوْ يُؤَوِّلُونَهُ أَوْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَضَعُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، بِرَأْيِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ ، فِي مُقَابِلِ الثَّمَنِ الحَقِيرِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا ، كَالرَّشْوَةِ عَلَى ذلِكَ ، وَالجُعْلِ ( الأجْرِ عَلَى الفَتَاوَى البَاطِلَةِ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ . . . وَالذِينَ يَكْتُمُونَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ( وَهُمُ اليَهُودُ ) ، وَعَنْ رِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ لِئَلاَ تَذْهَبَ زَعَامَاتِِهِمْ ، وَرِيَاسَاتُهُمْ إِنْ صَدَّقُوا مُحَمَّدًا ، وَآمَنُوا بِهِ ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ ، وَلِئَلاَّ يَخْسَرُوا مَا كَانَ يَصِلُ إِليهِمْ مِنْ أَموالٍ وَهَدَايَا ، وَهُوَ شَيءٌ تَافِهٌ يَسِيرٌ إِذا مَا قُورِنَ بِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ جَزيلِ الثَّوَابِ . . فَهؤُلاءِ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابِلِ كِتْمَانِ الحَقِّ نَارًا تَتَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لغَضَبِهِ عَلَيهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهم ، وَلا يَمْدَحُهُمْ وَلا يُثْنِي عَلَيهِمْ ، وَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . ( وَقِيلَ أَيْضًا في تَفْسِيرِ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلاَّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ ) . وَهؤُلاءِ الآثِمُونَ الذِينَ أَنْذَرَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ ، اعْتَاضُوا عَنِ الهُدَى الذِي يَقْتَضِيهِمْ نَشْرَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ ، وَوُجُوبِ اتِّباعِهِ وَتَصْدِيقِهِ ، بِالضَّلاَلِ وَهُوَ تَكْذِيبُهُ ، وَالكُفْرُ بِهِ ، وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ ، وَاعْتَاضُوا عَنِ المَغْفِرَةِ ، التِي وَعَدَ اللهُ بِها المُؤْمِنينَ العَامِلِينَ السَّاعِينَ فِي الخَيْراتِ ، بِالعَذَابِ الذِي سَيحِلُّ بِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَكِتْمَانِ مَا وَرَدَ في كُتُبِهِمْ . فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( أَيْ إِنَّ مَنْ يَرَاهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَعَجَّبُ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى احتِمَالِها ، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ العَذَابِ ) .

أَوْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: ( أَنَّ انْهِمَاكَهُمْ فِي العَمَلِ الذِي يُوصِلُهُمْ إِلى النَّار هُوَ مَثَارُ العَجَبِ ، فَسَيْرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إِليها ، وَعَدَمُ مُبَالاتِهِمْ بِمَآلِ أَْعْمَالِهِمْ هُوَ مَثَارُ العَجَبِ ) .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت