قال ابن رجب: «ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك (1) ، وغيره» (2) .
قلت: وعلى هذا؛ فإذا روى راو حديثًا بأكثر من إسناد، وكان من الحفاظ المبرّزين، دلّ ذلك على كثرة مروياته، وسعة محفوظاته، كما سبق عن ابن وهب والزهري، وأما إذا فعل هذا من لم يبلغ درجة من الحفظ والإتقان يستطيع من خلالها التمييز بين الرجال والأسانيد، فإنه يحمل صنيعه هذا على الاضطراب، وعدم إقامته للأسانيد، لاسيما إذا كان ضعيفًا سيء الحفظ، عندها يكون هذا الجمع دليلًا على سوء حفظه، ولا يقوي بعض هذه الأسانيد بعضًا ـ كما سلف عن الزهري ـ وإنما ينقض بعضها بعضًا.
ـــــــــــــــ
(1) ـ صحيح البخاري، في تفسير سورة النور، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا رقم (2518) (2/ 942) . ( ... عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه) . وأول الحديث: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا ) ).
قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض، وأثبت له اقتصاصًا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا.
قلت: ومن مثل الزهري في الحفظ والفهم، والتمييز والدقة.
(2) ـ شرح علل الترمذي (2/ 676) .