قسما الحديث الشاذ: ينقسم الشاذ بحسب موضعه في الحديث قسمين:
شاذ في السند، وشاذ في المتن.
ومثاله: ما أخرجه الدارقطني ثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصُر في السفر ويُتمُّ، ويفطر ويصوم ) ). قال: «وهذا إسناد صحيح» (1) .
قلت: حُكْم الدارقطني بتصحيح إسناده، إنما هو بحسب الظاهر، ورجال إسناده
كلهم ثقات، ولكن الشذوذ قائم في السند والمتن؛ أما السند فلأنه خالف ما اتفق عليه الثقات من وقفه على السيدة عائشة، وأما المتن: فلأن الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم المواظبة على قصر الصلاة في السفر؛ لذلك قال الحافظ ابن حجر: «والمحفوظ عن عائشة من فعلها» (2) . أي رواية ذلك موقوفًا عليها.
ـــــــــــــــــــــ
(1) ـ سنن الدارقطني، كتاب الصيام، باب: القبلة للصائم، رقم (44) ، (2/ 189) .
(2) ـ بلوغ المرام من أدلة الأحكام (مع سبل السلام) ، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، باب صلاة المسافر والمريض، (2/ 37 ـ 38) ، وأخرج البيهقي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها: كانت تصلي في السفر أربعاّ، فقلت لها: لو صليت ركعتين. فقالت: يا بن أختي إنه لا يشقّ عليّ. سنن البيهقي الكبرى، باب: من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السنة، رقم (5215) (3/ 143) . ومعنى لا يشق: أي لا يصعب عليّ إتمام الصلاة في السفر.
ومن أمثلة الشذوذ في المتن: ما رواه شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضُّحى ـ مسلم بن صُبَيْح ـ عن ابن عباس أنه قال: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ} . [الطلاق: 12] . قال: (( سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى ) ). قال أبو عبدالله الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. المستدرك، تفسير سورة الطلاق، رقم (3822) ، (2/ 535) .
قلت: أخرجه البيهقي (أبو بكر أحمد بن الحسين) في الأسماء والصفات، ت: عبدالله بن محمد الحاشدي مكتبة السوادي، جدة، ط1، رقم (832) ، (2/ 268) . وقال: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم. وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: إسناده صحيح. (6/ 293) .
وللشيخ اللكنوي رسالة: (زجر الناس عن إنكار أثر ابن عباس) حكم فيها بأن هذا الحديث في حكم المرفوع. الرفع والتكميل (ص: 188) .